و بالجملة كان الرازي ممن ينكرون النبوات للأسباب التي فصلناها في أول هذا البحث ، و يرى أن العقل الإنساني كفيل وحده بهداية الإنسان إلى السبيل القويم في حجياته ، و ما دام كذلك فإن مبدأ الاقتصاد في الفكر و التقدير يدعو إلى إنكار النبوة ، لذا يقول : " أخبرونا هل يكون مصيبا من وجد إلى أمر طريقين فسلك الأطول منهما و الأوعر ؟ و هل يكون مريدا للأفضل و الأصلح من يجد إلى تعريف شيء من وجهين سبيلا ، فيعرفه من أعسرهما و أبعدهما و أكثرهما ريبا و شكوكا و جلبا لسوء العواقب ، و يدع ما خالف هذه الوجوه ؟ فإن قلتم : لا ، قلنا : فهلا ألهم الله عباده معرفة منافعهم و مضارهم في عاجلهم و آجلهم . أما في عاجلهم فلتصديق كل أمة إمامها و ضرب بعضهم وجوه بعض بالسيف و اجتهادهم في ذلك". ( قطعة 14 س 1 – س 9 ) . فكأن الخير و الحكمة كانا يقتضيان عدم إرسال الأنبياء حتى لا تقع الفرقة بين الناس ، و لعله هنا يريد أن يعارض الآية : " و لو شاء الله لجعلكم أمة واحدة " ( سورة 5 : 53 ) ، إذ " لو لا ما انعقد بين الناس من أسباب الديانات لسقطت المجاذبات و المحاربات و البلايا ، لأن المنازعات تقع إما لعاجل أو لآجل. و أورد كلاما طويلا في هذا الباب ، و لكن هذه جملته ( قطعة رقم 14 س 9 – س 11 ) ، و كنا نود أن نرى هذا الكلام بالتفصيل ، لنرى إلى أي حد حاول أن يرد على من يؤيدون النبوات أسبابا اجتماعية إصلاحية ذاكرين ما يعود على الناس من فوائد في جماعتهم إن اعتنقوا الأديان و تمسكوا بأوامرها و نواهيها. و هو بهذا لم يدع وجها من أوجه الدفاع عن النبوة إلا هاجمه أو أخضعه لنقد صارم ، خصوصا هذه الناحية المصلحية البرجمتية التي تضاف إلى النبوة حتى مع افنتراض عدم صحتها من الناحية النظرية ، و كأن هذه الفوائد العملية التي تترتب عليها تغني عن البحث في صحتها من الناحية النظرية. و يلوح أنه تناول طويلا هذه الناحية إذ نراه بعد هذا يرد على معترض ينسب هذا التنازع و تلك المحاربات إلى الناس و المعتنقين للديانات ، لا إلى نفسها ، فيقول : " إن قلتم إن المجاذبات و المحاربات من أجل إيثارهم أعراض الدنيا ، قلنا لكم : هل رأيتم أحدا آثر القليل على الكثير إلا لشك منه في نيل الكثير ؟ فإن قلتم : نعم ، كابرتم ، و إن قلتم لا ، فكذلك إيثار المؤثر لأغراض الدنيا و شهواتها على الأمور الجليلة و الثواب العظيم القدر الذي يعجز الواصفون عنه – ليس ذلك إلا لشك منه في نيل ذلك الكثير العظيم الدائم الذي يعجز الواصفون عنه ( لاحظ ما هنا من تهكم ) ، كما نرى الرجل يؤثر المائة الدينار على الألف إذا خاف فوت المائة و الألف ، و إذا كان مستيقنا أنه يصل إلى الألف مع ترك المائة فإه لا يرى أخذ المائة . قال : و كذلك لو أن الناس أخلصوا اليقين بقول أئمتكم فيما و عدوهم من الثواب الجزيل لما آثروا القليل من عاجلهم على الكثير من آجلهم ( القطعة نفسها ، س 12 – س 21 ). و على فإن الرازي يرى أنه حتى من الناحية العلمية -- البرجمتية – لا فائدة في النبوات و الأديان ، فإن أضفت هذا إلى بطلان النبوة من الناحية النظرية ، ثبت – في رأيه – فساد النبوة إطلاقا.
الرازي إذا يؤمن بإله خالق حكيم ، و لكنه لا يؤمن بالنبوة و الأديان ، و ينزع نزعة فكرية حرة من كل آثار للتقليد أو العدوى ، و يؤكد حقوق العقل و سلطانه الذي لا يحده شيء و ينحو منحى تنويريا شبيها كل الشبه بحركة التنوير عند السوفسطائيين اليونانيين ، و خصوصا بحركة التنوير ( 1 ) في العصر الحديث في القرن الثامن عشر ، و يدعو إلى إيجاد نزعة إنسانية خالصة خالطتها روح وثنية حرة ، مما يجعل من الرازي شخصية فكرية من الطراز الأول ، و واحدا من أحرار العقول النادرين في التاريخ ، و من أجرأ المفكرين الذين عرفتهم الإنسانية طوال تاريخها ، و لا يسع المرء إلا أن يمتلئ إعجابا بهذا الجو الطليق الذي هيأه الإسلام للفكر في ذلك العصر ، مما يدل على ما كان عليه العقل الإسلامي في ذلك العصر من خصب و نضوج.
أترى يتحقق مثل هذا الجو مرة أخرى في حضارتنا العربية التي نأمل في إيجادها؟
هوامش المؤلف :
1 - راجع وصفها و خصائصها في كتابنا : نيتشة ص 111 و ما يليها ، الطبعة الثانية ، القاهرة سنة 1945 .
قتيبة الشام... الفارس الذهبي..
كاريكاتير
النبي محمد والزانية
جدل بين المسلمين في الغرب بشأن صياغة 'قرآن' جديد
اللطش الصحفي الفاجر .. سوزان ابراهيم نموذجاً ــ يامن حسين
ملخص كتب طبائع الاستبداد للكواكبي ج 2 ــ د. غانم الجمالي
باولو كويليو – ساحرة بورتوبيللو ــ ترجمة عزّة طويل
الشيخ الداعية يوسف البدري يسرق 50 ألف جنيه من حلمي سالم
عمرو خالد أخطر أنواع المخدرات














Post new comment