لا يتابع المصري يوسف زيدان في روايته الأخيرة ( محال ) الصادرة عن دار الشروق ما بدأه من قبل في رواياته التاريخية التي كانت تستلهم الماضي لإذكاء جذوة الحاضر و لتفسير الواقع بلغة رمزية و غير مباشرة. و بتراكيب و صور جريئة وضعت فن الرواية العربية على المحك.
في ( محال ) يكرر يوسف زيدان إشكالية أمين معلوف مع الرواية فينتقل من غياهب التاريخ و سجلاته و محطاته المشينة و مصادر الكبت و العجز فيه إلى أتون الواقع الراهن.
و هو حين يهتم بتفاصيل سيرة الشاب النوبي ابن السودان و الذي يعمل بصفة دليل سياحي في مصر ، و قصة غرامه العفيف مع المصرية ( نورا ) ، ثم الفراق و تحول زهرة الحب إلى كابوس بفضل دخول ضابط مخابرات ليبي مجنون على الخط ، يمهد للجانب الثاني من روايته. و هو نقل الصراع الشخصي إلى صراع إيديولوجيات و تحويل الأزمة من قصة حب إلى قصة حضارة تستيقظ من سباتها العميق.
و هكذا يرفع الستار عن مسألة موت التاريخ و دخول الأمريكان بالبسطار و الدبابة لمعاقل الشرق و مغاراته و عروشه لحد الإذلال و إلحاق الإهانة أو لما نقول عنه لحد تكسير العظام.
و لكن هذا لا يمنع أن يوسف زيدان لم ينج من مغبة مشاكل تمصير الفن بالطريقة التجارية المعروفة التي تستغل عواطف المراهقين كما رفع لواءها في الستينات و السبعينات الثنائي يوسف السباعي و إحسان عبد القدوس.
فالرواية من ناحية الأحداث و الحبكة و ما تقدمه من دسائس و حيل و لغة متوسطة غير حازمة ترسم شخصيات تقليدية بسيطة و قاصرة و شديدة الوضوح و تعاني من الصراع المعروف بين دواعي الواجب و نداء العاطفة و ملح الشعارات الوطنية.
و لو أخذنا بالحسبان أن بهاء الطاهر مر بهذه التجربة ( إلى حد ما ) في روايته ( نقطة النور ) ، و التي قدمت لنا المجتمع المصري و كأنه على شفا الانهيار و يتعرض للتفكيك و التساقط و الذبول و تتحكم به الرغبات المادية و الشهوات العابرة، يصبح من المبرر لنا أن نتساءل :
هل هذه مجرد محطة بغاية التنويع أم أنها دفع أتاوة لصعود الحركات السلفية في المنطقة ؟...
المصدر : صالح الرزوق














Post new comment