نظرت إلى ربي بعد اليقين بعدما صرفني عن غيره ، و أضاءني بنوره ، فأراني عجائب سره، و أراني هويته ، فنظرت بهويته إلى أنائيتي ، فزال : نوري بنوره، و عزتي بعزته ، و قدرتي بقدرته ، و رأيت أنائيتي بهويته ، و إعظامي بعظمته ، و رفعتي برفعته ، فنظرت إليه بعين الحق ، فقلت له : من هذا ؟ فقال : هذا لا أنا و لا غيري ، لا إله إلا أنا ، فغيرني عن أنائيتي إلى هويته ، و أزالني عن هويتي بهويته ، و أراني هويته فردا ، فنظرت إليه بهويته ، فلما نظرت إلى الحق بالحق رأيت الحق بالحق ، فبقيت في بالحق زمانا لا نفس لي و لا لسان و لا أذن لي ، و لا علم حتى أن الله أنشأ لي علما من علمه ، و لسانا من لطفه، و عينا من نوره، فنظرت إليه بنوره ، و علمت من علمه ، و ناجيته بلسان لطف فقلت : ما بالي بك ؟ فقال : أنا لك بك ، لا إله غيرك. قلت : لا تغرني بي ، أنا لا أرضى بي عنك دونك ، فأرضى بك عنك دوني ، فمن علي به دوني ، فناجيته به دوني ، فقلت : ما لي من يدك عنك يا مناي ، فقال لي : عليك بأمري و نهيي ، فقلت : و ما لي من أمرك و نهيك ؟ قال : ثنائي عليك في أمري و نهيي ، أشكرك على ما أتيتك من أمري ، و أحبك على ما انتهيت من نهيي ، فقلت : إن شكرت فمن نفسك بشكره، و إن ذممت فلست أنت موضع المذمة يا مناي و يا رجائي من بلائي ، و يا شفاي من شقائي.
أنت الآمر ، و أنت المأمور ، و لا إله غيرك ، فسكت عني ، فعلمت أن سكوته رضاه.
ثم قال : من علمك ؟ قلت : السائل أعلم من المسؤول ، أنت المجيب و أنت المجاب ، أنت السائل و أنت المسؤول ، لا إله غيرك.
انقطع حجة الله علي به فرضيت عنه به ، و رضي به علي به ، إذ أنا به ، هو هو ، لا إله إلا هو ، ثم انارني بنور الذات ، و نظرت إليه بعين الفضل فقال : سل ما شئت من فضلي أعطيته. قلت : أنت أفضل من فضلك ، و أنت أكرم من كرمك ، رضيت منك بك ، و انتهيت إليك لا تعرض علي غيرك ، و لا تردني عنك بشيء دونك ، لا تغرني بلطفك و لا بكرمك و لا بفضلك ، فالفضل منك أبدا ، و إليك يعود ، أنت المعيد و أنت المعاد ، و أنت المريد و أنت المراد ، انقطع المراد عنك ، و انقطع الاسؤال عنك ، فلم يجبني زمانا ثم أجابني و قال : حق ما قلت ، و حق ما سمعت ، و حق ما رأيت ، و حق ما حققت ، قلت : بلى أنت الحق ، و بالحق يرى الحق ، أنت الحق و بالحق يتحقق الحق ، و إلى الحق و بالحق يسمع الحق ، أنت السامع و أنت المسمع ، و أنت الحق و أنت المُحِق ، لا إله غيرك ، فقال : ما أنت إلا الحق ، بالحق نطقت ، فقلت : بل أنت الحق ، و كلامك الحق ، و الحق بك حق ، أنت أنت لا إله غيرك ، فقال لي : ما أنت ؟ قلت له : ما أنت ؟ قال : أنا الحق ، فقلت : أنا بك ، قال : إذا كنت أنت بي فأنا و أنت أنا ، فقلت : لا تغرني بك عنك ، بلى أنت أنت لا إله غيرك.
فلما أن صرت إلى الحق ، و أقمت مع الحق بالحق أنشا لي جناح العز و الكبرياء ، فطرت بجناحي فلم أبلغ منتهى عزه و كبريائه ، فدعوته بالاستغاثة به عنه فيما لا طاقة لي به إلا به ، فنظر إلي بعين الجود فقوّاني بقوته ، و زينني بتاج كرامته على رأسه ، و أفردني بفردانيته ، و وحدني بوحدانيته ، و وصفني بصفاته التي لا يشاركه فيها أحد ، ثم قال لي : توحد بوحدانيتي ، و تفرد بفردانيتي ، و ارفع رأسك بتاج كرامتي ، و تعزز بعزتي ، و تجبر بجبروتي ، و اخرج بصفاتي إلى خلقي أر هويتي في هويتك ، و من رآك رآني ، و من قصدك قصدني ، يا نوري في أرضي ، و زينتي في سمائي ، فقلت : أنت عيني في عيني ، و علمي في جهلي ، كن أنت نورك تر بك لا إله إلا أنت.
فأجابني بلسان الرضا و قال : ما أعلمك عبدي ، قلت : أنت العالم و أنت المعلوم ، و أنت المفرد ، و أنت الفرد ، تفرد بفردانيتك ، و توحد بوحدانيتك ، لا تشغلني بك عنك.
انقطع حجة الله علي في فردانيته ، و بوحدانيته في وحدانيته ، فأقمت معه دون تفردي بفردانيته ، فأقمت معه به ، فنى صفاتي بصفاته ، و سقط اسمي باسمه ، و سقط عني أوليته بأوليتي ، و آخريتي بآخريته ، فنظرت إليه بذاته التي لا يراها الواصفون ، و لا يبلغها العالمون ، و لا يفهمها العاملون ، فنظر إلي بعين الذات بعدما سقط اسمي و صفاتي و أولي و آخري و نعتي ، فدعاني باسمه ، و كناني بهويته ، و ناجاني بأحديته ، قال : يا أنا ، فقلت : يا أنت ، فقال لي : فانقطع حجة الله علي به ما سماني باسم من أسمائه إلا سميته به ، و ما وصفني بصفة من صفاته إلا وصفته به ، فانقطع كل شيء مني به ، فبقيت دهرا بلا روح و لا جسم كالميت ، ثم إنه أحياني بحياتي بعدما أماتني ، فقال : لمن الملك اليوم ؟ فلما أن أحياني قلت : لله الواحد القهار ، فقال : لمن الاسم ؟ قلت : لله الواحد القهار ، فقال : لمن الحكم اليوم ؟ فقلت : لله الواحد القهار ، فقال : لمن الاختيار ؟ قلت : للرب الجبار ، فقال : أحييتك بحياتي ، و ملكتك ملكي ، و سميتك باسمي ، و حكمتك بحكمي ، و افهمتك اختياري ، و وافقتك بأسماء الربوبية و الصفات الأزلية ، قلت : لا أدري ما تريد ، كنت لنفسي فلا ترضى ، و كنت لك فلا ترضى ، فقال : لا تكن لنفسك قوة لا لنفسي إني كنت لك حيث لم تكن ، فكن لي حيث لم تكن ، و كن لك ، حيث كنت ، فكن لي حيث كنت ، فقلت : و أنى لي بذلك إلا بك ، فنظر إلي نظرة بعين القدرة ، فأعدمني بكونه، و ظهر في بذاته ، فكنت به ، فانقطع المناجاة ، فصارت الكلمة واحدة، و صار الكل بالكل واحدا، فقال لي : يا أنت ، فقلت به : يا أنا، فقال لي : أنت الفرد، قلت : أنا الفرد، قال لي : أنت أنت ، قلت : أنا أنا، و لو كنت أنا من حيث أنا لما قلت أنا ، فلما أنا ، لم أكن أنا ، فكنت أنت أنت، قال : أنا أنا قولي بأنائيته كقولي بهويته توحيدا، فصارت صفاتي صفات الربوبية ، و لساني لسان التوحيد ، و صفاتي أن هو هو لا إله إلا هو ، فكان ما كان بكونه مما قد كان ، و ما يكون بكونه يكون ما يكون ، صفاتي صفات الربوبية ، و إشاراتي إشارات الأزلية ، و لساني لسان التوحيد.
من كتاب : أبو يزيد البسطامي – الأعمال الكاملة – تحقيق : قاسم محمد عباس - دار المدى – دمشق و بيروت - 2004 . ص : 41 – 44 .
Post new comment
قتيبة الشام... الفارس الذهبي..
كاريكاتير
النبي محمد والزانية
جدل بين المسلمين في الغرب بشأن صياغة 'قرآن' جديد
اللطش الصحفي الفاجر .. سوزان ابراهيم نموذجاً ــ يامن حسين
ملخص كتب طبائع الاستبداد للكواكبي ج 2 ــ د. غانم الجمالي
باولو كويليو – ساحرة بورتوبيللو ــ ترجمة عزّة طويل
الشيخ الداعية يوسف البدري يسرق 50 ألف جنيه من حلمي سالم
عمرو خالد أخطر أنواع المخدرات














شيزوفرينيا حادة ٠٠