ماذا لو كان للتعصّب رائحة, وللجهل رائحة, وللافكار العدمية رائحة؟ وماذا لو كان لكل من العقلانية, و التنوير, والإنفتاح على الآخر رائحتها المميّزة؟ أسئلة من هذا النوع قد تبدو فنطازية, فلو كان للمتعصب العدمي رائحته المميزة لكانت نبهّت الناس على الكارثة التي يسعى للقيام بها وهو يقود شاحنة مليئة بالمواد المتفجرة ليستهدف بها مناطق مدنية وسكان عزّل لا لذنب اقترفوه سوى إنهم من طائفة أخرى أو دين آخر, أو لأنه أراد أن يكون ضيفا على رضوان ملاك الجنة. ظنّا منه أنه بعمله هذا يساعد الرب في القضاء على الكافرين الذين لايستحقون الحياة. كما إن الجاهل عندما يرى ردة فعل الآخرين, عندما يشمّوا رائحته, لابد أن تحرّض فيه رغبة للعلم والمعرفة لكي يزيل عنه ذكرى رائحة الجهل. ماجرّني للحديث عن الروائح هو ذكرى قديمة وكتاب جديد فقد كان لشذى زهر البرتقال الفوّاح في أول الربيع, عند مشارف حيّنا القديم أثر لا يمحى من الذاكرة, كان يعني الإثارة بكل اشكالها, الجنسية منها والفكرية, كان ولا يزال يثير فيّ صورا من ذكريات الصبا وفترة المراهقة وتقلباتها على كل المستويات النفسية والفيزيولوجية. وبعد أن مرّت الأيام والأعوام هاأنذا أستعيد تلك الذكرى البعيدة, ولكن هذه المرة بأسئلة حرّضتها لدي الدكتورة الكويتية فوزية الدّريع في كتابها "الرائحة والجنس" الصادر عن دار الجمل, وهو أحد الكتب التي رفدت المكتبة العربية في علم النفس, نذكر منها: برود النساء 1992 , عجز الرجال 1996, الحياة بلا رجل 1997, الحب في الأربعين 1997, مليون سؤال في الجنس 2006, القبلة 2006, الرجل الحيوان 2008, والرائحة والجنس 2009. تؤكد الدكتورة الدريع على إن هناك ثلاثة معاول هي مايهدم حياتنا وهي على الشكل التالي: أولا النظرة السلبية التي تحوّل النظر عن كل إيجابية ولا ترى في الأشخاص والقضايا سوى الجانب السيء. ثانيا المعلومة الناقصة التي نتلقفها وكأنها مُنزلة ومقدسة ونبني عليها وجهات نظرنا ومواقفنا. ثالثا الكلمة النابية التي تؤسس للعداء وسوء الفهم وتخلق حجابا حاجزا بين الناس.
ومن الطريف أن نعرف إن القبلة في لغات عديدة مثل اللغة الهندية والسيبيرية ولغة بورما وفي غرب أفريقيا معناها الشمّ. في فكر الأيورفيدكAyurvedic الهندي إن الرائحة ينصح بها حسب طاقة شخصية الإنسان وما إذا كانت بيتا PITA أو كافا KAPHA أو فاتا VATA . كذلك فإن من اللافت هنا أن نشير إلى أن أفضل العطور وأغلاها ثمنا هي مايتمّ استخراجه من الحيوان وليس من النبات, فالمسك يستخرج من كيس تحت جلد بطن الغزال وخاصة غزال الهملايا. والكاستروم يفرزها حيوان القندس كفضلات ونحن نستخدمها عطرا. وهناك مادة عطرية اخرى تستخرج من فأر اسمه فأر السمك. بل إن هناك مادة عطرية تستخرج من فتحة الشرج لقط يعرف ب" سنور الزبادي". والعنبر الذي يستخرج من بطن الحيتان. ختاما يحتوي كتاب "الرائحة والجنس" دراسات عديدة ويتجول في مساحات كبيرة من البحث في موضوع الرائحة والعطور وآثارها النفسية والإجتماعية ويأخذنا إلى زوايا مواضيع حياتية بقيت عصيّة على الفهم بشكل علمي وكانت ساحة لمختلف التفسيرات التي لاتمّد لروح البحث العلمي بصلة. الدكتورة فوزية الدّريع من النساء القلائل التي تتمتع بجرأة كبيرة في طرحها لأفكارها ودراساتها العلمية التي نشرتها في ثنايا هذا الكتاب خير دليل على ذلك.
الإبداع بين العرض الوصفي والنقد البليغ
هل تعيد الرأسمالية تقييم ماركس؟
عندما يكون الوقوع في الحب قرار الأنف
بهاء الله بين التصوف وإلغاء الجهاد
هل يستعيد المعتزلي الجديد عقلانية أسلافه ؟
هالة نورانية أم طاقة حيوية؟ لمحة عن علم جديد
عن دائرة الحب وحلقة التكفير
هل القداسة والكمال صفات مكتسبة؟ ( قراءة في البوذية")
هل تدخل الأعراف والتقاليد دائرة المقدس؟














Post new comment