مثل الفارابي بداية التفكير الجاد في القضايا السياسية و ( المدنية ) في العالم الإسلامي، غير أنه انتهى – للأسف – بوفاته، إذ تلاشى التفكير الفلسفي في حقل السياسة بشكل كامل، و غادر المتأخرون فلسفة الفارابي، بعد أن صارت الفلسفة النظرية همهم الشاغل، ليهيموا بوادي ما وراء الطبيعة اللامتناهي. و أما من ظل وفيا للفكر السياسي فإنه تأثر بالسياسات التي كانت سائدة قبل الإسلام و تأسى بالتجربة السياسية للإيرانيين، فاضطر بدل التفكير بعقلانية في القضايا السياسية إلى تبرير السياسات الاستبدادية السائدة و مقارنتها بالنموذج ( الإيراني القديم ). و إذا تحدث عن ( سياسة المدن ) لم يتجاوز أفكار المعلم الثاني و فلاسفة الايونان القديم. و قد اقتصرت الجهود الفكرية بعد الفارابي على بيان و تبرير السياسة الجارية، حتى لم تستنكر على المستبد ممارسته، بل حلت محل الاستنكار صيغ الاقتراح، إذ طلب إليه مراعاة العدل و إنصاف الناس، لضمان استتباب السياسة القائمة على الاستبداد و دوامها على أرض الواقع، لا تغييرها تغييرا جذريا.
و الآن نعود إلى بيان أفكار الفارابي، كبير فلاسفة السياسة في التاريخ الإسلامي:
السياسة في رأي الفارابي قسم من الفلسفة، أو حلقة في مجموعة مترابطة و منسجمة يطرحها الفيلسوف ضمن منظومته الفلسفية.
و يدور الحديث في السياسة حول ما يجب أن يكون، و عن سلوك الإنسان في المجموع. أما ( ما يجب ) محاطا بالحقائق و مسبوقا بأوامر موجوة فهو السياسة في إطار نظام من القيم الموجودة أيضا، إلا أنها ضمن نظام الوجود المعقول. و يمكن أن يقال: إن مبادئ السياسة لدى الفا رابي هي: نتيجة مترشحة عن مقدماته في معرفة العالم و رؤيته الكونية، لذا فإن أي خلل في تلك المقدمات سيظهر أيضا في نظامه السياسي العظيم.
و قد اعتمد الفارابي خلال طرحه للفكر السياسي على تراث كبيري فلاسفة اليونان و فلاسفة التاريخ االبشري، أفلاطون و أرسطو، و التصورات السياسية لفيلسوف المسلمين، كأفكاره عن معرفة العالم التي هي من سنخ الفلسفات اليونانية. و يعتبر الفارابي، تواضعا و عرفانا بالجميل أفلاطون و أرسطو أئمته في الفكر بل أئمة جميع الحكماء، و يعتبر عمله العظيم ( إحياء للفلسفة )( 1 ).
و قد اختص الفارابي بهذا النمط من التفكير في الفلسفة في العالم الإسلامي، و كما أكدنا سابقا أنه بدأ و انتهى به تقريبا، و ما جاء بعده من أفكار سياسية تختلف عن سياسته المدنية، و هذا يتجلى في الكتابات السياسية للكتاب من الصنف الآخر:
" ... إذ انشغلوا فكريا بالعلاقات السياسية للمجتمع برغم أنهم ليبسوا مفكرين فلسفيين، و أغلب الكتاب إن لم يكونوا في خدمة السلطان كانت لهم علاقة بالسياسة العملية، من هنا يمكن أن يقالك إن لهؤلاء، خلافا للفلاسفة السياسيين، دورا كبيرا في تكوين النظام السياسي للبلاد، و تأسيس إيديولوجيته السياسية "( 2 ).
و أعتقد من الضروري مراجعة أبرز الرسائل السياسية التي تصدت لشرح و تفسير و بيان ( التغلب ).
و كتابا: ( السياسة المدنية ) و ( آراء أهل المدينة الفاضلة )، اللذان يدور فيهما البحث حول السياسة، هما أهم كتب الفارابي الفلسفية ( 3 ). و في كلا الكتابين يبدأ الفارابي بتراث الفلسفة القديمة، أي معرفة الوجود، و مبادئ و وجود الموجودات.. و يحاول المؤلف أن يستعرض فيهما نظاما نظاما محكما معقولا له سلسلة من المراتب. و يرى هذا الفيلسوف أن الإنسان موجود ضمن نظام عظيم، هو مركزه. و السبب الأول و الموجود المفضل فيه، هو خالق جميع الموجودات، لا شيء سوى التعلق بذاته السرمدية التي هي عين الوجود و الكمال اللامتناهي. و إنما يكون لوجود الإنسان و سعادته معنى ضمن هذا النظام العقلاني الشامخ. و هدف الفيلسوف بيان هذا المعنى و بيان طريق السعادة للإنسان.
و في بداية كتابه ( سياسة المدن ) يقسم المؤلف سلسلة مبادئ الموجودات العالية إلى ست مراتب ، هي:
1 – السبب الأول في المرتبة الأولى.
2 – الأسباب الثانية في المرتبة الثانية.
3 – العقل الفعال في المرتبة الثالثة.
4 – النفس في المرتبة الرابعة.
5 – الصورة في المرتبة الخامسة.
6 – المادة في المرتبة السادسة ( 4 ).
ثم أخذ الفارابي في تعريف و توضيح كل واحدة منها حتى يصل إلى العقل العاشر ( العقل الفعال )، مدبر الحياة المادية و المعنوية للإنسان. و إنما يصل الإنسان إلى مراتب الكمال، و هو السعادة، بمفارقة النفس للجسم من غير حاجة إلى أمور مادية و جسمانية :
" و العقل الفعال، فعله العناية بالحيوان الناطق و التماس تبليغه أقصى مراتب الكمال لدى الإنسان أن يبلغه، و هو السعادة القصوى، و ذلك أن يصير الإنسان في مرتبة العقل الفعال، و إنما يكون ذلك بأن يحصل مفارقا للأجسام غير محتاج في قوامه إلى شيء ىخر مما هو دونه من جسم أو مادة أو عرض ... " ( 5 ).
هوامش :
1 – الفلسفة المدنية للفارابي ، مصدر سابق، ص 210 .
2 – طباطبائي، السيد جواد، در آمد فلسفي بر تاريخ أنديشه سياسي در إيران، دفتر مطالعات سياسي و بين المللي، 1988 م ، ص 19 .
3 – و كلا الكتابين نقلهما إلى الفارسية د. سجادي. و هذان الكتابان مصدرا بحثنا حول سياسة الفارابي، و ربما استفدنا أيضا من تراثه الآخر.
4 – الفارابي، أبو نصر، السياسة المدنية، منشورات الزهراء، 1987 م ، ص 31 .
5 – المصدر نفسه ، ص 32 .
من كتاب الدين و الفكر في شراك الاستبداد – لمحمد خاتمي – ترجمة ماجد الغرباوي – منشورات دار الفكر بدمشق بترخيص من مكتب رئاسة الجمهورية الإسلامية الإيرانية . 2001 . ص 149 – 152 .
.
قتيبة الشام... الفارس الذهبي..
كاريكاتير
النبي محمد والزانية
جدل بين المسلمين في الغرب بشأن صياغة 'قرآن' جديد
اللطش الصحفي الفاجر .. سوزان ابراهيم نموذجاً ــ يامن حسين
ملخص كتب طبائع الاستبداد للكواكبي ج 2 ــ د. غانم الجمالي
باولو كويليو – ساحرة بورتوبيللو ــ ترجمة عزّة طويل
الشيخ الداعية يوسف البدري يسرق 50 ألف جنيه من حلمي سالم
عمرو خالد أخطر أنواع المخدرات














Post new comment