Fri 18 May 2012
رئيس التحرير : سحبان السواح

التالي

|

السابق


2011-01-18
أحزان صحراوية : مختارات من قصائد المرحوم تيسير سبول / ألف / خاص ألف
أحزان صحراوية :  مختارات من قصائد المرحوم تيسير سبول

تبدو حالة الكاتب الأردني المرحوم تيسير سبول من الحالات الميؤوس منها و التي تدعو إلى الشفقة. و هذه إشارة صريحة لما آل إليه مصير الثقافة العربية . فهي في معظمها ثقافة شعارات  أو ثقافة تبرير ( على حد قول المفكر المعروف جلال صادق العظم ).
لقد استعمل اسم تيسير سبول ، و حادثة انتحاره الأليمة و المأسوف لها ، و هو بعمر 34 عاما فقط ، بمثابة قميص عثمان. و اعتبرت نقاط الدم الحمراء التي لطخت صباح يوم 15 – 11 – 1973 ، و كأنها احتجاج على الأوضاع المتردية التي وصلت لها الأمة.
غير أن مصير الأفراد لا يفسر اتجاه الحضارات.
فالهدف المعقول من انتحار الشاعر السوري المبدع عبد الباسط الصوفي ، و هو بمطلع شبابه ، أن يضع حدا قسريا للعذاب و الألم الفردي. و هذا هو شأن الحالة الشهيرة لأرنست همنغواي.
هل أقدم همنغواي على الانتحار لأن الفاشية و الديكتاتورية أفلحتا في إسبانيا ، أم لأن إيطاليا تمكنت من التخلص من التراث البغيض لزمرة موسوليني ، أم لأن الثورة الكوبية التي شحذ قلمه في سبيلها قد أشرقت و بزغ فجرها الأصيل...
إن هذه الأسئلة الغريبة تضع حياة تيسير سبول بين قوسين بالخط الأسود و القاتم و السميك.
لقد كان مصيره نتيجة منطقية لبنية الذهن الممزق و المشتت الذي كان يحدو أبناء الجيل الضائع ، أبناء الجيل المحروم من البطولة و الذي وجد ذاته أمام عقدة متشابكة من الخيوط.
في مجال الفن كانت الحداثة لا تكتفي بتفصيل الأفكار المستوردة و الجاهزة للذهن الأصولي الميت فقط ، و لكنها كانت أيضا تقدم المادة الخام لتنفيذ الصورة المضحكة التي تسمى نقديا باسم ( ثياب الإمبراطور العاري ).
و في مجال الروح كان الاستشراق أو الوهم الاستشراقي يضع منظومة الأفكار في حالة تحفز مريض ، و كان لا ينجم عنه غير رومنسيات لثورة منكسرة ، أو بالأحرى لنصف ثورة.
و أخيرا في المجال النظري كان الصوت الأخرس للضمير ، اللاشعور بلغة علم النفس ، و الفعل المنعكس الشرطي في علم الأحياء ، يرتبط فقط بالحالات الشاذة و المنحرفة لوجودية لها رأس راديكالي ، و لكن مع أدوات باردة ، أدوات - أحفورات ، أدوات لا تعمل.
لقد وضعت الرصاصة الأخيرة لتسير سبول هذه الأفكار العقيمة و المجدبة و الجوفاء في دائرة الواقع ، بتعبير آخر نقلت الواقع الجامد إلى واقع فعلي و متحرك و منسجم مع نفسه.
من أهم أعمال تيسير سبول رواية واحدة حازت على جائزة مجلة شعر و عنوانها ( أنت منذ اليوم ) ،  مع مجموعة شعرية بعنوان ( أحزان صحراوية ) ، و باقة من المقالات و الخواطر العامة. و قد صدرت كلها في مجلد واحد عام 1980 عن دار ابن رشد ببيروت بإعداد و تقديم سليمان الأزرعي.

 

....
-    القصيدة الأخيرة
أنا يا صديقي
أسير مع الوهم ، أدري
أيمم نحو تخوم النهاية
نبيا غريب الملامح أمضي إلى غير نهاية
سأسقط لا بد ، يملأ جوفي الظلام
نبيا ثقيلا ، و ما تاه بعد بآية
و أنت صديقي...
و أعلم ، لكن قد اختلفت بي طريقي
سأسقط ، لا بد...
هذي بعد أول قافلة
أسقط يملأ جوفي الظلام
غديرك بعد ،
إذا ما التقينا بذات منام
تضيف الغداة و تنسى
لكم أنت تنسى
عليك السلام..
.....
-    نيسان و حكمة الجدار
ملقى هنا في غرفتي
و وجهك البريء ، يا صديقتي
يلوح عبر وحدتي
إشراقه
حنوه
ينساب في أوردتي
يعيدني إلى ضفاف البارحة ،
البارحة
( نيسان ، و موسيقى الأعماق
و حنايا مبهمة الأشواق
و جنوح إثنين إلى المطلق
قد ضاقت عنه  الأشواق
ألقته
لتيه الأسطورة ).
أبحرنا ننشد نجمينا
طوفنا دنيا من ألق
لا تعرف بعدا أو حدا
إبحار أبدا إبحار
و يخدر فينا الإبصار
و اخترنا عفوا نجمين
و ضحكنا ضحكة طفلين
و صمت لدى هانت نظرة
كأنا نجمين بعيدين.
صديقتي
ملقى هنا في غرفتي
لربما يحفر الزمان جبهتي
و ربما أحال عمري المضيعا
صحراء بلقعا.
لكنني
في عمق سر العظم في ضمير كل جارحة
قطرت ذكرى البارحة.
أظل يا صديقتي
يا نبعة سخية الحنان.
أذكرها ما عادني نيسان.
لكنما
معذرة صديقتي
وددت لو أزوّق الحروف
أهديكها
أغنية مسحورة الطيوف.
حين الخيال موثق
على صليب غصتي.
فنحن يا صديقتي
نحن الذين إذ نسير نطرق الجباه
خط لنا ، من قبل أن نجيء للحياة
لسنا بفرسان الخيال ، إن نشر فطاع.
حياتنا لو تعلمين ، جرة الصراع
من أجل عار لقمة
و سترة عن العيون
شعارنا ما زال من قرون
( مع الجدار سر
تكن ثقيلة عليك ).
و نحن إذ نجوع نصمت
لكي تكف شرها العيون
و البارحة
غفلت يا صديقتي
عن حكمة الجدار ،
فمهجتي
أضحت لحين والهة
بحب نجم مبعد
يقال إن الآلهة
خصته لي رفيق
و كان أن أطعت ما تلفق الظنون.
و كان يا صديقتي
حلما قصيرا لاح و انطفأ
و عدت للتراب
ممزقا ، مضيعا
مشتت العباب.
صديقتي
و أنبأت خرافة النجوم
عن ألف سور بيننا
لأن لي شعار
خلقت
كي تصدق فيّ
حكمة الجدار.
...
-    السؤال
قيل هذا اليوم كان
كان طفلا
   ملء عينيه سؤال
و لذا غذ خطاه
مسرعا خلف رؤاه
يستطيب الارتحال ،
و هنا باغته الصوت و قال :
( حينما وجهت لا " أين "
نقف.
هذه أرض المحال ).
قبل هذا اليوم كان
كان طفلا
و هو طفلا ما يزال.
و لقد يعبر حينا
سالكا أي اتجاه ،
و لقد يذكر طيفا
من قديمات رؤاه
و لقد يضحك أو يبكي
فطفلا ما يزال
هو يحيا
و الذي مات السؤال...
 


BOOK MARK PAGE PRINT SEND TO FRIEND TOP
التعليقات

Post new comment