Alef Logo
المرصد الصحفي
              

متى يتصالح أدونيس مع سوريته و أنا أيضا أريد أن أكون لبنانيا

صالح دياب

2010-11-07

يكتب منذر مصري مقالا عن مهرجان " أصوات حية من متوسط إلى آخر" في ملحق " نوافذ" يخصص أكثر من نصفه للحديث عن أدونيس وعدم رغبته بالانتماء إلى سوريا ، رابطا ذلك بجائزة نوبل ،و ذلك قبل صدور نتيجتها .
ما يطرحه منذر مصري في تساؤلاته عن انتماء الشاعر أمر يطرحه ليس بعض المبدعين السوريين فحسب بل الشعراء العرب و المثال على ذلك هو النقاش الذي ينقله منذر مصري عن الشعراء العرب المشاركين في مهرجان " سيت " ، حول أدونيس و انتمائه ، لا بل بعض الشعراء الفرنسيين المعروفين ، و كلها أحاديث غير مكتوبة،عن الأسباب التي تدفع بأدونيس إلى الانتماء رسميا إلى لبنان و ليس إلى بلده سوريا .
و الحال إن مقال المصري بقدر ما يتضمن الكثير من العتب و المرارة و عدم الفهم يحمل الكثير من المحبة للشاعر و التقدير لنتاجه و لشخصه أيضا.
كيف يمكن لشاعر و لد في سوريا و عاش في لبنان ، فترة من الزمن، ثم عاد إلى سوريا ، ثم إلى لبنان ، ثم ذهب إلى فرنسا ، أن يتنصل من الانتماء إلى بلده الأم سوريا .
منذر مصري الذي يعيش على مقربة من مسقط رأس الشاعر و التقى أو يعرف بعض أقربائه ، يصدمه هذا الإصرار من قبل الشاعر على جحد سوريته، رغم أنه ولد و ترعرع فيها ، مع أنه عاش شطرا من حياته في لبنان ، منذ زمن طويل. لا بل يبدو الأمر محيرا لمنذر، أيحتاج الشاعر أن يلعب على هذا الوتر خصوصا رغم علو قامته الشعرية و الفكرية عربيا و عالميا ؟
أدونيس ينقز دائما من سوريته . هو غير متصالح معها. لا يريد أن تذكر إلا بوصفها مكانا للولادة. إذ يأتي سريعا في سيرته اسم لبنان . و أنا هنا أتحدث عن أدونيس المترجم خصوصا . لكن كل من التقى الشاعر يرى أنه يتكلم بلكنة تحيل على منطقته. و ليس بلهجة لبنان الذي يحب أن ينتمي إليه، رغم طيلة فترة عيشه فيه.
استضاف مهرجان لوديف أدونيس قبل سنوات . في تلك السنة، لم يشأ أدونيس أن يحدد بلده ، في البرنامج المطبوع . لم يرغب أدونيس في تلك الدورة أن ينتمي إلا إليه. إذ لم يتم تحديد أي بلد له.
لكن لكل مهرجان برنامج و الشعراء موزعون بحسب دولهم . و على المشاركين تحديد بلدانهم. في الدورة الأولى من مهرجان أصوات حية من متوسط إلى آخر، طرح الأمر من جديد على الشاعر: في أي بلد تريد أن تصنف ؟ فاختار لبنان، و شارك بوصفه شاعرا لبنانيا . لكنه أصر على أن يكون أصله سوري. أمر الولادة لا يمكن أن يتنصل منه شخص في العالم.
في إحدى الندوات المخصصة لأدونيس في المهرجان طرح عليه محاوره سؤالا يتعلق بانتمائه إلى لبنان أو سوريا فأجاب : " لا انتماء للشاعر ، الشاعر ينتمي إلى العالم كله ، و لا بلد له " . بالطبع لم يتحدث أدونيس عن الانتماء الرسمي ، في البرنامج المطبوع، و كان هذا القصد من السؤال.
قد لا يشعر أدونيس بأنه سوري . فالشاعر حقق حضوره الأدبي كله في لبنان، و تشكلت شخصيته الأدبية في لبنان . و تنشق الحرية في لبنان، وهو يشعر بأن عواطفه و جوارحه تعود إلى لبنان، لا إلى سوريا. لم لا.
علينا كسوريين أن نقبل ذلك، و ألا نعتب عليه لأنه لم يوقع على عريضة. أو نتهمه بأن لا مواقف واضحة له من النظام في سوريا، إلى سائر الانتقادات الموجهة له من قبل بعض السوريين . بكل بساطة هو يعلن نفسه شاعرا ينتمي إلى بلد آخر، و علينا احترام قناعته في الانتماء. و على الجميع وأن يفهم هذا الأمر، و لا يطلب من الشاعر أن يكون ما ليس هو عليه . علينا ألا نقحمه في سورياتنا.
لينتم أدونيس إلى البلد الأقرب إلى قلبه. و لا ضير في ذلك . فالانتماء إلى بلد معين هو انتماء روحي داخلي و لا علاقة له لا بالميلاد و لا بالأوراق الرسمية، و لا حتى بالفترة الزمنية التي نقضيها فيه. و لا حتى بمكان الولادة. علينا ألا نحمل الرجل ما نحمله على السوريين الآخرين، و أن نعفيه من مشاكلنا السورية، فهو لا يشعر أنه واحد منا. و كفى المؤمنين شر القتال.
قد لا يسعى أدونيس إلى أي تحقيق حضور له باستخدامه الانتماء اللبناني . فالرجل كان يصرح على أنه لبناني قبل مجيئه إلى فرنسا . و يكفي أن نرى أغلفة كتبه المطبوعة باكرا ، فهي مزيلة بجملة " استعاد جنسيته اللبنانية "، حتى و إن بدت كلمة " استعاد " غامضة و غير قابلة للفهم، لكل من يقرأها.
ولكن هل قبل اللبنانيون أدونيس بوصفه واحدا منهم، أو على ألأقل الأدباء منهم ؟
بقيت في لبنان، سنوات عديدة، و قد كنت ألتقي بأغلب الأصدقاء الشعراء اللبنانيين. ما أذكره جيدا أنه لم يتكلم أحد عن أدونيس إلا بوصفه سوريا في لبنان .
كتب أدونيس مقالا عن بيروت، فرد عليه سائر الشعراء اللبنانيين، كانت ردودا عليه، رمزيا، بوصفه سوريا. كتاب لبنانيون كتبوا و مازالوا يكتبون مقالات أشد قسوة و انتقادا لكل شيء في لبنان . مع ذلك ، لا تجد مقالاتهم ذلك الصدى العنيف و السريع الذي لاقته مقالة أدونيس عن بيروت . أدونيس كسوري غير مسموح له أن ينتقد بيروت التي احتضنته كما تم التصريح بذلك . أيضا يتم الغمز منه " كسوري " بأنه انتحل أمر تأسيس مجلة شعر و هو يسوق نفسه، على انه من أسس المجلة، من سوري آخر هو أشد لبنانية منه. فالمجلة رغم أنها في ذمة التاريخ هي شأن لبناني يخص المسيحيين أبا عن جد فحسب، و ليس المسيحيين من أصل إسلامي.. حتى وإن كان أدونيس دينمو المجلة : ترجمة و نقدا و متابعة ، فضلا عن و جود سوريين آخرين في المجلة . وأنه يستخدم اسم لبنان للوصول إلى نوبل و الغرب، و هذا ما أشار إليه أيضا مقال المصري.
لو كان أدونيس لبنانيا حقا و مقبولا من قبل اللبنانيين بوصفه واحدا منهم ، لما لاقته مقالته ما لاقت من شجب و نقد تم أحيانا تجريحه و ليس الغمز من من سوريته فحسب بل من تحدره من الطائفة التي تمسك بمقاليد الحكم في سوريا . لكن رغم كل ذلك يصر أدونيس على أن يكون لبنانيا.
بعض الكتاب و الشعراء و الفنانين السوريين عاشوا أكثر من أدونيس في لبنان و حصلوا على الجنسية اللبنانية مع ذلك لم يصرحوا بأنهم لبنانيون . لا بل إن البعض ولد في لبنان . القضية رغبة شخصية داخلية.
لا يحمل أدونيس جواز سفر سوريا بل لبنانيا وفرنسيا . ربما يحق له رسميا أن يقول أنه لبناني . فهو لا يتنقل بجواز سوري، و لكن هل الانتماء إلى بلد معين يمر عبر جواز السفر فقط ؟
أدونيس تلقى نكرانا تاريخيا ، كبيرا من قبل سوريا مسقط رأسه و لا يحمل جواز سفرها. هو ينقز دائما من سوريته . لا بل لا يريدها أن تذكر إلا بوصفها مكانا للولادة . لكن ما حصل لأدونيس من نكران سوري حصل و يحصل لسائر المبدعين السوريين. هذه هي الحياة و ضريبة العيش و الولادة في هذا المكان من العالم .
عربيا لم تؤخذ على محمل الجد جنسية أدونيس اللبنانية . إذ لا يقدمه بما فيهم الشعراء اللبنانيون في حواراتهم بوصفه شاعرا لبنانيا. أو إضافة اسم الشاعر اللبناني قبل اسمه. يكفي أن نجرب مثلا أن نضع كلمات " الشاعر اللبناني أدونيس " في محرك البحث غوغل ، و سنرى أنه يرد اسم" الشاعر السوري اللبناني أدونيس " فقط في أخبار نادرة مأخوذة عن وكالة الصحافة الفرنسية أ.ف.ب. بالعربية لا يرد إلا بوصفه شاعرا سوريا . و العكس غير صحيح لو كتبنا بالفرنسية الشاعر اللبناني أدونيس . فلن يعطينا المحرك أدونيس بالفرنسية إلا بوصفه شاعرا لبنانيا.
أدونيس" الشاعر اللبناني" كما يحب أن يكون، يفاجيء الجميع و يوقع على عريضة ال99 الشهيرة، التي تطالب النظام السوري بالتغيير . كما يرسل تحية إلى أنطوان مقدسي ، و ميشيل كيلو و فايز سارة . ،أيضا يبدي رغبته بأن يدفن في قريته ، في حديقة بيته ، في سوريا . و ليس في لبنان البلد الذي يصرح بانتمائه إليه.
عشت في مدينة اللاذقية ثماني سنوات، و كنت ألتقي دائما بالأستاذ المرحوم أحمد الخير في مركز الفنون التشكيلية الذي كان يترأسه و الصديق الشيخ عبد اللطيف صالح و الاثنان من بلدتين تقعان قرب قرية أدونيس . و يعرفان أهل الشاعر. كنا كلما تحدثنا في هذا الأمر كان أحمد الخير رحمه الله يدور دورة أو دورتين كاملتين ، من على كرسيه البرّام المهترئ و الممزق الجلد، الذي على هيئة البلاد ، شابكا يدا بيد ، ثم يفرمل الكرسي الذي لا يتوقف عن الدوران ، و إحداث صرير يثقب الأذن ، ليطلق قهقهة مدوية ، قائلا : و أنا أيضا أريد أن أكون لبنانيا ، ثم يلتفت إلى الشيخ عبد اللطيف قائلا له : و أنت يا شيخنا القرفيصي ألا تريد أن تكون لبنانيا ؟ فيهز الشيخ رأسه، مبتسما ، هامسا بوداعة
على عادته: و أنا أيضا أريد أن أكون لبنانيا .
قد يكون لبنان الذي ينتمي إليه الشاعر هو لبنان الفكرة التي كانت منشودة ، لبنان العاصمة الإيديولوجية و الحضارية للشرق الأوسط . الذي يفتح الشرق الأوسط بعضا على بعض و فتح الشرق الأوسط على العالم ، لبنان الذي يلعب دورا تغريبيا لبنان صلة وصل بين الشرق نفسه بالإضافة إلى كونه صلة وصل بين الشرق والغرب لبنان المسئول عن الشرق . كما يقول أحدهم ، أو الحرية و الديمقراطية اللبنانية على علاتها ، بحمله لجواز السفر اللبناني . و ليس سوريا التي سجنته . و عانى فيها مرارة الفقر و السجن ، هو القائل عن السجن "
السجن نوع من القتل . نوع من إنهاء حياة إنسان . السجن حين يكون بسبب جريمة قتل شيء، و حين يكون بسبب أفكار، شيء مختلف كليا . باختصار السجن جريمة بحق الحضارة ."
أدونيس سوري في سوريا و العالم العربي و لبنان و لبناني في الغرب . متى يكف العرب و السوريون عن النظر إليه بوصفه سوريا ، و متى يطوبه اللبنانيون لبنانيا و يكفون عن الغمز منه بوصفه سوريا ؟
2008 دمشق عاصمة للثقافة العربية. الاحتفالية الرسمية تذهب إلى أدونيس، و تصدر كتابا رمزيا عنه بوصفه سوريا " أدونيس عراف القصيدة الحديثة " . الشاعر اللبناني أدونيس واحد من الأدباء الذين صدر كتاب عنهم ضمن الاحتفالية الثقافية الرسمية ، ضمن قائمة تضم كتابا سوريين عدة . أين سيهرب أدونيس من سوريته ،إنهم يلاحقونه بها ، إنها تلاحقه .

صالح دياب

صحيفة القدس العربي

تعليق



كلام في الحب

17-شباط-2018

سحبان السواح

قالت: " أستحلفُكُنَّ، يا بناتِ أورشليمَ، أنْ تُخْبِرْنَ حبيبيَ حينَ تَجِدْنَهُ إنِّي مريضةٌ منَ الحُبِّ." "قالَتْ: قبِّلْني بقبلاتِ فمِكَ."، وترجَّتْ أيضاً: لامِسْنِي هُنا .. وهُنا.. هُناكَ، وهُنالكَ أيضاً. فمُكَ، شفتاكَ غايتي، ولسانُكَ...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي
المزيد من هذا الكاتب

متى يتصالح أدونيس مع سوريته و أنا أيضا أريد أن أكون لبنانيا

07-تشرين الثاني-2010

مختارات من مجموعة تصدر قريبا " ترسلين سكينا أرسل خنجرا "

05-حزيران-2009

الرقابة تضرب مجددا في سوريا / رشا عمران أحد حراس الثقافة الجدد

13-آذار-2009

خمس قصائد بترها مقص رشا عمران

13-آذار-2009

جزار الكتب

03-حزيران-2008

سلمية تحرق نفسها

17-شباط-2018

من أنتَ ؟!

10-شباط-2018

مذكرات سجين سياسي 2

03-شباط-2018

سؤال وجواب

27-كانون الثاني-2018

من مذكرات سجين سياسي

20-كانون الثاني-2018

الأكثر قراءة
Down Arrow