Alef Logo
كشاف الوراقين
              

فصل من رواية " سلطانات الرمل" للينا هويان الحسن التي تصدر قريبا عن دار ممدوح عدوان

ألف

2009-07-18


تمتاز لينا هويان الحسن عن غيرها من الروائيات السوريات بأنها تخوض في الصعب، هي لا تستهل كتابة العمل الروائي، ولا تعتمد على تجربة شخصية أو مجموعة تجارب خاضتها، بل هي ذهبت في الاتجاه الصعب، سلوك هذا الدرب يحتاج بالدرجة الأولى إلى الشجاعة، فالخطأ في مثل هذا النوع من الكتابة يمكن أن يؤدي بها للفشل الذريع أو النجاح يمكن أن يرفعها إلى كاتبة متميزة وتخطو باعتداد نحو القمة.
في روايتها الرابعة بنات نعش خاضت تجربة الكتابة عن عالم البدو في مطلع هذا القرن، عاداتهم تقاليدهم عشقهم، حقدهم. ولم تكتب من ذاكرتها أي إنها لم تؤلف تلك الأحداث بل جاءت بها من التاريخ، تاريخ تلك المنطقة، اللافت للأمر أنها عرفت الطرق التي يسلكها البدو المتنقلين بين العراق وشمال وشرق سورية.. وبذلك قدمت لنا عملا وثائقيا بشكل روائي ممتع، لا شك أنه صعب في الوقت نفسه .. لمن يرغب بالحدوتة السلسة السهلة .. بعد رواياتها الثلاث الأولى التي كانت بداياتها وتجاربها والتي هي على التوالي معشوقة وقد طبعت مرتين 1988 وعام 2000 عن دار طلاس ورواية وراية مرآة الصحراء صدرت عن دار الشمعة في العام 200 وروايتها الثالثة التفاحة السوداء عام 2003 لتصل إلى روايتها بنات نعش التي أعلنت مولدها كروائية في سجل الروائيين السوريين .. نقدم هنا فصلا من روايتها الخامسة سلطانات الرمل والتي ستصدر قريبا جدا عن دار ممدوح عدوان للنشر والتوزيع

خاص ألف
فصل من سلطانات الرمل / " سكرى الثانية "

في مراهقتها انغمست بالمطالعة ، تقرأ الكتاب تلو الكتاب ، تتنقل بين ورقة وأخرى كصياد يقتفي أثر طريدة ذكية ، في غابة .
جذبتها كتب المذكرات والسير الشخصية , قرأت كل ما وقع بين يديها من مذكرات أدباء , وسياسيين ، راقصات ، ممثلين ، مخرجين..
تحمل شغفا خفيا بأولئك البشر . . من الطراز المضاد. . الذين يلحقون أحلامهم التي تقودهم إلى الموت .
ومبكراً عرفت أننا كبشر بطبعنا مولعون بمن يمضي حتى النهاية ممتحنا العالم به, أو العكس, حيث لا عويل, لا ندب, لا بكاء, إنما مواجهة.
وجها لوجه وعراك يتجاهل الحتف. وإذا كانت كل الطرق تبدأ بالدم فلتنته بدمه. . في ذلك الوقت تحديدا قرأت كل أدبيات التراجيديا المتاحة.
أصبحت تحب الأدب بنكهة المأساة.
أصبحت تشبه الذاكرة البشرية: مولعة بالأبطال الذين يموتون . وكأن مغريات الموت أقوى أو أكثر جمالاً من تسويات الحياة المحتملة , وتعرف أن شراسة الأبطال . . تحتاج إلى النهايات .
كأن النهاية هي الدواء اللازم لإكمال جمال البطل.
كذلك تعلمت كيف تفهم بعض البشر فقط حين يخبروك بأسماء أبطال الأدب الذين يحبونهم .
سكرى وقعت في غرام هاملت وألان ديلون .

* * *


الشعر كائن متشرد وجوّاب شوارع وكذّاب. هكذا كانت تظن لكن ابن عمتها عاشق صحح لها معلومتها تلك وقال: "الشعر ليس كذابا, لكن يحق له الكذب. . الكذب السلطة الوحيدة التي تخدم الحقيقة التي نشتهيها. . الشعر يتسكع ليقبض على حلم جوال. . قد يلقاه عند ناصية شارع ما, أو منعطف جادة مجهولة. . الشعر يكره ما نسميه: "نهاية المطاف" يدور في كل الشوارع المتاحة, يهرب من طريق مسدود قد يباغته وسط اقتراحات صدفة ما. . يعلمك الشاعر كيف تشبه الربيع , كيف ترحب بالعاصفة لتترك الريح تنقل بذور المستقبل تحت أنظار ماضيك وكل فصولك الرمادية الفائتة.
لأجل كتابة الشعر نصحها عاشقاً وهو يقول : "تأتي القصيدة عجولة. . جارية, ساهية امسكيها قبل أن تبتلعها أرض اللحظة."
كلاهما كانا يكتبان الشعر وسكرى تقول لعاشق : كتابة الشعر , موضة.

* * *

مغرورة, مشتتة, نافرة, نرجسة في عز النهار, تحت لظى تموز على شاطئ من خرافة حطت عليه عشتار قبل ثلاثة آلاف عام, وقد خلقت لتوها من زبد البحر.
وتضحك تلك الضحكة التي يحبها. . حين تكاد أسنانها تهرب منها ويسألها عاشق:
-بماذا تحلمين؟
-أحلم أن ألتقي قرصاناً بساق واحدة وعلى كتفه تقف ببغاء.
- دائماً عرفت أنكِ مولعة باللصوص و القراصنة,
- وكل الخارجين على القانون. .أكره الأفلام التي تنتهي بالقبض على اللصوص الذين يسرقون البنوك .
ألا تحبهم مثلي ؟ يلتقط صورة وهو يقول:
- أنا أحب البرابرة.
- البرابرة ! الذين نراهم في السينما؟
- لا, الذين يأتون عبر البحار, مغامرين, جاهزين للموت, وللحياة. لا يحلقون ذقونهم ولا يشذبون ملامحهم بأدنى محاولة تحضر. عيونهم مأكولة بالبريق, بريق ورثوه عن عيني الآدمي الأول الذي حطَّ رحاله في كهف وطوّر براثنه حتى لا يقتصر أكله على بصلة وخبزة.
من خلال العدسة يقرأ استفهاماتها الكثيرة ويكمل كلامه الحاسم الهادئ:
- بلى يابدوية , البرابرة هم أيضاً خارجون على القانون , كيف برأيك كان حالنا من دون البربري الأول ؟ الذي اخترع السكين ورأى كل من حوله طريدة, هؤلاء البرابرة. .لو أننا نشبههم بعنفهم الواضح الصريح. . يتزينون لغزوهم قبل أن يفكروا بالتأنق لمحبوب. يتزينون بما وقع تحت أيديهم من صلصال ملون, أو دم ظبي, أو دم ضحية.
- ومن غير البرابرة تحب؟
- أحبُ الفرنسيين لأنهم اخترعوا المايوه البكيني.
- تقول هذا لأنك تراني الآن بالبكيني؟
- هل تعرفين لماذا اسمه" بكيني"
هزّ ت برأسها نفياً . . واستدارت نحوه ليلتقط لها صورة مباشرة.
- الذي ابتكر هذا المايوه أطلق عليه اسم, بكيني, ليربطه بتجربة نووية أمريكية أجريت قبل ذلك بخمسة أيام في جزر بكيني في المحيط الهادئ.
- إذن أنا الآن نووية المفعول؟
- ومن تحبين أيضاً يا نووية, ألان ديلون؟
- وسامة وجهه تشبه وسامة النمور. ويعرف كيف يموت في أفلامه , يتقن الموت .
-الآن اثبتي , لا تضحكي , انظري نحوي مباشرة.
تفعل ذلك و يأخذ لها لقطات سريعة وهي تقول له:
الوجوه، مثل القصائد، بعضها أبيات متناغمة، مفهومة، واضحة، وصريحة، كأشعار نزار قباني. وثمة وجوه غير متناسقة، تجمع الغرابة مع القبح، تكثر من وضع المساحيق لتمويه حقيقتها تماماً مثل بعض الشعر الحديث. وهنالك وجوه تظن بنفسها الجمال، مثل بيت شعري منمق، لكنه تافه يبحث عن مستمع منافق. والوجوه التي تعيد تشكيل تقاسيمها بخيط وإبرة الجراح، تبدو مثل شاعر أحمق يطارد المارة بأبياته، يبادر كل من يراه بالشعر.
يلتقط عاشق مزيداً من الصور وتتابع هي قائلة:
- أودُّ لوجهي أن يشبه مسرحية هاملت، أريده جميلاً وسامياً، فيه أبهة ونبل .
- ينقصك الكثير من الحزن لتشبهي هاملت , أقترح أن تشبهي جين فوندا ,هذا أسهل على من تملك جسدك هذا . لماذا لا تصبحين ممثلة .
ترجع كلا ذراعيها إلى الخلف وتخفف من غلواء غرورها وتقول اقتراحاً جديداً:
-إذن أبتغي . .
ينظر عاشق إلى السماء للحظة وتعود عيناه للاختباء وراء العدسة ويقول بلهجة الأمر:
-اجلسي تحت المظلة.. مدي ساقيك و أرجعي ظهرك إلى الخلف ولا تنظري إلى العدسة.
تفعل ذلك و يجلس مقرفصاً ويلتقط صورة أخرى و يقول:
- عليك أن تميّزي بين التمنّع والغرور. التمنع يجذب الرجال, والغرور ينفرهم.
- قل لي كيف يجب أن أكون
-كوني غامضة مثل جريمة.
-أريد أن أشبه النمور .
- شريرة.
- ليس تعلقي بالنمور علامة شرّ. لكنني متأكدة أني أحافظ على وزني, ليس لأشبه نجمات فرنسا.. أفعل ذلك لأشبه رشاقة النمور المفزعة.
إذن مازلتِ تعيشين الحب كقصص رومانسية , انظري إلى فوق. . حين تمرين بالحب كتجربة ستصبحين مولعة بالأفاعي.
ترفع شعرها إلى أعلى وتسأله : " ألا أشبه الفرس ؟ بسرعة يجاوبها : - لا يمكنك أن تكوني فرساً, تنتمين لفصيلة السنوريات.
ضربته بأناملها وهي تقلد هرة غاضبة.
- كيف تراني؟ تسأله مجدداً وهي تحسر ثوبها عن فخذيها .
- أراكِ, أفضل قصيدة لم أكتبها. . مؤلفة من كل الأبيات المدهشة التي خطرت لي يوماً. . ولم أعتقلها.
- لماذا لم تعتقلها ؟
- لم يكن حولي أوراق.
- أين كنت؟
- اثبتي أكثر, أريد صورة ساكنة, لا تطرحي أسئلة "كوني "جميلة واصمتي."
ضحك حين قالت له بأنها تريد أن تكتب رواية..
وقال: الروايات يكتبها الحزينون.



* * *

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

قصَّةُ الصَّلواتِ الخَمْسِ، وواجبِ شكرِنا موسى.. وأتباعَهُ مِنْ بعدِهِ.

25-تشرين الأول-2014

سحبان السواح

كثيراً ما فكَّرْتُ في موضوعِ الصَّلاةِ، وقصَّةِ مُحَمَّدَ معَ ربِّهِ وموسى، وطلبِهِ تخفيفَ الصَّلواتِ الَّتي فرضَها اللهُ على المسلمينَ في المرَّةِ الأولَى؛ وكانَتْ خمسينَ صلاةً، فلو قَبِلَ النَّبِيُّ بهذا العددِ...
المزيد من هذا الكاتب

كتاب : خاص الخاص ج1 للثعالبي

27-أيلول-2014

تلويحة المدى قصيدة النثر النسويّة: التصوّف الإيروتيكيّ! شاكر لعيبي

18-أيلول-2014

أخبارالظراف والمتماجنين لابن الجوزي

17-أيلول-2014

الإيقاع السردي وحداثة القصة القصيرة / الطيب هلو

15-أيلول-2014

التحولات المجتمعية فى الرواية الجديدة ما بعد الألفية / وائل النجمي

14-أيلول-2014

حزينة أنا ياصديقي

25-تشرين الأول-2014

لستَ بمعزل عن ..

23-تشرين الأول-2014

على مقام دمشق .. خدود حلبية

22-تشرين الأول-2014

متلازمة "سوري"

20-تشرين الأول-2014

من الروقي ياسين للثائر عمر

19-تشرين الأول-2014

الأكثر قراءة
Down Arrow