|
خاص ألف
الآن نهر الخابور ميت.
عدت إليه بعد زمن, جلست على الأرض الجافة العارية لنهر الخابور. تنهدت بعمق مدة طويلة جداً. نظرت إلى الخلاء والصمت والحرارة اللافحة التي تهب علي من السماء والفضاء, مبهوتاً من لوعة السؤال التي تهزني وتدفعني للحسرة المباغتة المعلقة بالصمت:
أي رياح عاتية ساقت الخابور إلى دروب بعيدة. لماذا رحل وبقي سارحاً كندف الغمام الحائر الطائر في الفضاء دون زوادة او وعد أن يعود إلى الديار مرة ثانية. انكفئ صوتي في حنجرتي وغاص عميقاً في سديم الحيرة التي غطت عقلي ولبي.
لم أقوَ على حمل جسدي. كومة من التشنجات المتداخلة دخلت روحي. بقيت جاثياً في مكاني انشد الصمت اللهيب, ان يكف ان يبقى صامتاً. في هذه اللحظات ايقنت أن النهر مثل الإنسان, غريب..غريب. لا هو من الأرض ولا هو قادم من الفضاء, انه كائن حي ينطق ويتكلم وينام, يحيا ويموت.
وقفت حائراً, متمتماً على مضض, اعلم أنني جئتك متأخراً يا خابور, يا قرص السماء على الأرض. لم يكن الأمر بيدي. قبل بضعة ساعات اطلقوا سراحي من السجن.
لم يتكلم الخابور, لم يرد, بقي صامتاً كجلمود صخر, كالجماد. مددت يدي إلى جسده المشلوح على الأرض, قلت له أعلم أنك ميت الأن يا خابور, وأن روحك وجسدك قطع متناثرة في مكان ما من هذا العالم. لكن الدهشة لن تكف من الولوج إلى ذاكرتي تنشد البحث عنك مثل عصفور جريح يبحث عن فسحة ينظف جراحه.
العرق يتصبب من رأسي العاري, من أنفي وأذني ورقبتي. تركت الدموع تمتزج بالعرق وتسيل باسترخاء.
كانت الساعة تشيرإلى السادسة والنصف صباحاً. رمى ثقل المكان حمله على صدري. نظرت إلى جسورالخابورالنائمة على الضفاف الجافة اليابسة كمنحوتات نافرة لا تناسق في مواضعها. انقل نظراتي المتعرجة على الكائن الميت الراقد تحت قدمي. شققت طريقي حائراً لا أعرف إلى أين يقودني. كنت في وسط المسافة ما بين الجسرين لا اصدق عيني وعقلي ما حدث. رأيت الأشجاروالزل والصفصاف الميتة, والأعشاب الجافة. الأشواك النابتة على الحواف والأطراف. ثمة تغيركبير حدث في هذه المنعطفات الجافة التي غزت المكان.
مشيت في حضن الكائن الميت مسافة طويلة, مدوناً الاختزانات الثقيلة في ذاكرتي. اضرب قدمي في الأرض اليابسة, أرى صورة أبي في القارب وهو يلقي الشباك, كان شاحبا وفي مواضع الوحشة, في عالم متنقل ودائم الجريان, لكن ماذا تبقى منه الأن ورحت اهذرواتوه:
لماذا تلتقط الذاكرة العجوزالصور الثابتة ما دام كل شيء يهيم على وجهه, يركض دون استئذان أوتوقف .
الهواء الجاف يعبربحرارته اللاسعة بالقرب من وجهي
هنا على تلك الضفة اليسرى التقينا أنا ونضال, تحت ظلال أشجارالكينا والزيتون, التين والتفاح, الكروم المسترخية على ضفاف الخابور.
تحت ظلال شجرة التوت تعانقنا أول عناق وقبلنا بعضنا أول قبلة. لعبنا وشربنا وركضنا بين بساتين الشمام ودوارالشمس واليقطين. نمنا في حضن الماء, وتعّرينا, أكتشفنا أسرارالحياة في كلينا, في لحظة انبهاق اشعة الشمس من مكمنها. في تلك البقعة, تحت ظل شجرة السرو تعرت نضال من ثيابها, جسدها الصلب, العاري الجميل, سبح بجماله تحت سقف السماء. شالها الابيض بجانبها تهزه النسائم الرقيقة. كنت إلى جانبها منتصب القامة بثقة, أمام قامتها الوتد كالوتد, فتحت ذراعي لاحملها كفراشة ملونة, لانقلها فوق زهري وفرحي.
تابعت ادراجي مثل رياح عابرة داخل مجرى الخابور, مشيعاً نظراتي المكسورة على حواف النهر. رأيت بعض الأشجار العارية تماماً, متعبة, حزينة. صوت انينها يملأ الفضاء. تحاول البقاء, تشرب ما تبقى من بعض ذرات الماء المرمية في الأعماق السحيقة من المكان. رفرف قلبي كطفل صغير لا يقوى على حمل جسده. قلت, مات الخابور, النهرالصبور, الحلم الذي مكث بيننا وتناثرفي فضاء الزمن.
تابعت سيري صامتاً نحوالشمال كأي طائرغريب تخلف عن سربه لا يدري إلى أين يتجه. في داخلي شغف ودهشة وتساءل مملوء بالغموض. أين الخابوروالفرح؟
لم يكن لدي إجابة تشفي غليلي. جاءني صوت غامض يقول لي:
أنه ميت, مستسلماً للأقدارالتي عبثت به, منطوياً على نفسه كباقة ورد فقدت أريجها. الأراضي الشاسعة على جانبيه يابسة, جرداء. البيوت كئيبة متناثرة كحبات رمل مدورة. قلت:
ما أغرب هذا المكان. يبدو انني موهوم, هذا المكان لا اعرف, لم يسبق لي ان رأيت مثل هذا الموت المشلوح في العراء.
مررت تحت جسر القطار, المكان الذي كنا نسبح فيه, نلهو ونلعب ونسبح نرمي بأنفسنا من فوقه وندخل في عمق الماء. شباب وبنات. النساء الريفيات على ضفافه يغسلن ثيابهم ويطلقن المواويل الحزينة.
في ذلك الزمن الجميل, الحقل البعيد, في تلك الأوقات, قبل أن يموت الحلم, كانت نضال معي في لحظات توهج الخيال. كنا نرقص ونغني بين حقول القمح والشعيروعباد الشمس. متكئين على الافق, كقدر وحقيقة. نقتات من السنابل زوادة لأزماننا الراحلة. سألتني في لحظة العري الكامل:
ـ أي مكان في الأنثى يهزك, أي رؤى أوحلم.
كانت عيني تتجه صوب الأشجارالمورقة, إلى غدران النهر, إلى فيض الخصب في جسد نضال, وجنتيها والكويكب النائم في حضن جسدها. دخلنا في احشاء الغابة النضرة, جسدي فياض بالرغبة وفي أوج لحظات الصبا والعشق واندفاعات اللهب من منابعي العميقة. اقتربت منها كموج عارم, ووضعت فمي على فمها ورحنا في عناق أزلي. مضت بنا الأمواج بعيداً, وسروج الخيل تحملنا على منحنياتها المتناثرة. كانت الظلال وورق الاشجارتحمل سرنا. عندما نتعب, نقترب من الخابور, ندخل فيه, نروض الجسد الملتهب ليعيد اللون إلى لونه. كانت الأشياء واضحة لي, غير متردد. اعرف مسارات المكان ودهاليزالأرض ومسافاتها.
بقيت اتامل جمال نضال, مكنونات جسدها الغضب البض. قلت لها بعد أن شبع جسدينا, أنا جائع يا نضال, احس أن معدتي ستخرج من جسدي. معصورة مثل ليمونة جافة ومشدودة الاوصال وتمنعني من التنفس .
ـ معي زوادة, جبنه وخيار وبندورة وبطيخ وخبز. فتحت صرة ملفوفة بخيط طويل ومدت اصابعها الحليبية وفرشت الطعام على الحشيش الأخضرالناعم.
النسائم عليلة هذا الربيع يا حبيبي.
كنا وحدنا عراة تماماً. الخابور سرنا وكاتم اسرارنا.
لكنك شارد وراحل إلى البعيد يا حبيبي. بماذا أنت سارح, بماذا تفكر؟ دع كل شيء جانباً ولبنق مع بعضنا ننهل من عشقنا صفاء اللحظات.
ـ انا معك يا حبيبتي. أنني أفكربالزمن القادم, بك يا غيمتي البيضاء. بلقائنا الأول داخل أكمة الشجر ومجرى سواقي القمح.
ـ هل هو سرلا يمكن أن يقال .
ـ لا . ليس سرا , انما افكاري ربما لا تروق لك .
ـ ستروق لي . بيننا احاديث كثيرة ومتشعبة , لماذا لا تروق لي الان .
ـ هذا صحيح . لكننا متعبون , ربما لا استطيع ان ارسمها لك كما ينبغي .
ـ ارسمها كما تشاء, أنا معك ,احب سماع ما تقول .
ـ احلم بطفلنا القادم, بالخابور, بالتراب الاسمرالحنون وأشياء أخرى كما قلت.
تابعت سيري على الأرض الجافة المشققة, فيها منحنيات وتعرجات, مطأطئ الرأس وحيداً صامتاً. الشمس تزداد قسوة كل دقيقة, السراب خادع يظهر ابتسامته الكاذبة, اتابع سيري دون أن ادرك التعب الذي نالني من سفري الطويل من سجن تدمر, دمشق الحسكة. الباص الذي حملني, الساعات الطوال في صندوقه بعد سنوات طويلة من العزلة الكاملة عن الحياة والناس والعالم. الصمت المطلق. الدهشة سر ولعي بمعرفة نهاية هذا الخلاء الواسع. خلعت حذائي المطاطي ورميته على الأرض الجافة. مشيت حافياً وحرارة الأرض الملتهبة تلعب بقدمي, وتصدطم بالرمال المذببة وحواف الأشجار الميتة. سالت الدماء منهم ولكني تابعت طريقي بشغف, موجوعاً وفي قلبي حزن دفين أن اعرف لماذا مات هذا الجميل. رأيت امرأة ريفية تمشي كالسكرانة مثلي مقتربة مني رفعت رأسها, رأيتها عارية الرأس على غير عادات النساء في مثل وضعها, وحافية القدمين مثلي وتلبس ثياباً طويلة مزركشة وفي أسفل أنفها حلقة من الفضة وتحت فمها وشم أزرق غامض. ما ان راتني حتى اقتربت في عقلها وعينيها اسئلة كثيرة ومتعددة.
ـ هل كنت سجيناً. قلت
ـ نعم.
ـ لماذا عدت, لماذا خرجت من السجن.
ـ السجين مثل الطفل في رحم أمه, ليس بإرادته ان يبقى فيه أو يخرج. أنها إرادة الآخرين في تقرير شأنه
ـ صدقت. لكنك عدت بعد أن جف هذا الرهوان العظيم. لقد نالوا من جسده بالكامل, حتى الدماء شربوها. اعلم أنك تركته شابا وها انك تعود إليه ميتاً. الناس عابثه لا خيرفي أمة لا تحافظ على أنهارها.
ـ من قتل الخابور.
ـ أنت تعرف ان للزمن اندفاعات غريبة, دورات على مدار التاريخ يستعصي على التوصيف. جاءه موج غامض فاقتلع كل شيء. نحن بلاد عبث. عبث بها الطوفان وضيعه, تيبست مروجه, سرجت خيوله ورحلت إلى أطراف مجهولة. نحن الوميض الضائع في جهات الأرض الأربعة. ماذا يمكننا ان نقول لبلاد ليس لنهاياتها نهايات وليس لبداياتها بدايات الا رعود الزمن وهي تحط رحالها ثم تختفي.
همستْ في أذني:
في ذلك الزمن الجميل قبل ان ينضح الحلم بالحلم, قبل ان تهطل الأمطار وتتخلل العاصفة رعود وبروق.
الخابور مثل طفل وليد, حضنه دافئ, جسده طري وجميل, متمايل القسمات متمدد الأبعاد على مئات الكيلومترات, على ضفتيه مئات الآلآف من محركات الديزل التي تمتص ماءه وهوائه وترميه في حقول القطن المترامية الأطراف الموزعة على مساحات شاسعة. كنت بجانب والدي وأمي وأختي لوسي وأنجيل في قرية تل كيف عندما كان أبي يصلح المحركات العملاقة التي تقتل الماء وترميه في الحقول المريضة التي لا تشبع من الارتواء.
مرات كثيرة كنا نجلس تحت ضوء القمر، عند التقاء رافدي النبعين، حصان وقطينة مع الخابور نتأمل تدفق الماء من جوف الأرض. بينما الخابورالأخضريتمدد على صدرالأرض باسترخاء، سارحا، يستجلي حدود المدى الواسع، محملا بأوراق الشجر وبقايا الأغصان المكسرة. إحدى المرات حفر أبي الأرض بالرفش واشعل جدع شجرة ميتة ووضعها في الحفرة إلى أن اصبحت جمراً فوضع خاروفاً محشيا بالرزوالصنوبروالزبيب على الجمرإلى أن نضج. ضوء القمر يرسل وشوشاته لنا ونحن نغني ونضحك ونصفق, ندخل الماء بفرح.
كل يوم عطلة, في الساعة الخامسة صباحاً, نضع الفطوروالطاولة في الصندوق الخلفي للسيارة ونتجه إلى الينابيع في مدينة رأس العين. نختارنبع عين حمزة الدائري. تقشرأمي البطيخ الأحمر والاصفر, تجهز أختي الجبنة مع الخياروالبندورة. الماء صاف مثل البللور, حبات الرمل تتراقص تحت دفق تدفق الماء الخارج من الأرض. الأسماك الصغيرة تنتقل من جهة إلى أخرى. ندخل الماء ونسبح, نشرب منه ونجلس وأقدامنا في الماء. على مبعدة بسيطة, بضعة أمتار, عين الرياض, الزرقاء. الماء يتدفق من كل مكان, لا أرى أمام نظري الا الماء الخارج من الأرض. أي جمال هذه المنطقة من العالم. الاشجارفي كل مكان, والهواء الصيفي العليل يلعب في الطبيعة حيث يريد.
تمتد المدينة في ذاكرتي كغربة قديمة, كذاكرة ميتة. بيوت صلبة وشوراع قاسية, مستطيلات ودوائر, محلات كبيرة وصغيرة. عدت إليها بعد ان انطفأ الحلم ومات. جلست في صحن الدارفوق أرآك فاخرة اشترتهم أمي أثناء غيابي الطويل. استقبلت الناس ضجراً, أنفاسي متقطعة وذهني سارح في الغياب. انظرإلى وجوه الزائرين الغضة, المملوءة نضارة بوجه متعب مسحوب الفرح. يتسامرون ويتهامسون بينما ذهني يرحل إلى صوب رفاقي النائمين على الأرض العارية في السجن. لماذا جاء هؤلاء الغرباء إلي. ما سبب مجيئهم؟هل هوحالة فضول عابرة, رفع عتب, ترميم غربة سابقة, إحساس بالواجب؟ أي واجب؟ ما هي الدوافع التي جعلتهم يفكرون بالمجيء إلى بيتي. كنت اثبت نظراتي المتعبة على ضحكهم العابر والسريع. لم اصل إلى إجابة شافية رغم أنني بذلت جهداً إضافياً لامتثالي لهذه اللحظات الخاوية. لم أكن في الزمان والمكان الذي كانوا فيه ولا يعو الذي أعيه. اقضي الوقت المنتفي لوقتهم في مفارقات هائلة.
المكيف يبث هوائه البارد في الغرفة فتميد الأنفاس والكلمات الفارغة. الحمد لله على السلامة. الله يسلمكم. هل أنا في حالة عزاء أم فرح, والناس لماذا تأتي تحت أي دافع. البعض حمل لي هدية, كثرت القمصان التي جلبوها والبعض الآخر جلبها وأخذها معه على أمل أن يعود مرة أخرى. ففي هذا الزمن الطويل تبدلت الرغبات والوجوه. وجودهم لم يستطع ان يحتوي روحي. بقيت أربعة أيام لا استطيع النوم. قلت لأختي انجيل التي جاءت من اليمن للسلام علي. اعصابي لا تسترخي ابدأ. قالت سأجلب لك حبة فوستان, مهدء كي تنام وترتاح. ما أن تناولتها حتى رأيت أمي بجانبي واصبعي الصغيرة تمتد إلى البعيد, قلت لها في لحظة الترحال:
من أين تأتي تلال الماء يا أمي, لماذا يذهب هدراً في جوف الارض وتحت لفح حرارة الشمس. لم تنتبه لأقوالي. كانت تحدق في ثنايا الأفق، تراقب زرقة السماء وصفاء الطبيعة، مسترخية، تستنشق هواء البراري العذبة. وعلى الضفة الأخرى كانت أسراب طيورالقطا المتواترة تحط الرحال بين سنابل الحنطة الطرية.
الصباح منعش ولطيف، تعال نأكل هذه اللقيمات الطازجة.
كانت نوارس الخابورتصفق بجناحيها وتغوص فوق تلال الماء المتدفقة، المندفعة من شهوة الأرض بأتجاه السهول والبوادي المفتوحة على المدى. لم التفت لما قالته أمي.
كنت اركض وراء الفراشات الملونة، الراقصة، فوق السمت المنعش. اسبح فوق ظلال المساحات المفتوحة، المتربعة على الورد المخاتل، الأحمروالأصفروالنهدي، رافعا وجهي إلى الأعلى، اضحك كثيراً خاصة عندما كنت ارى وجه أمي الخائف.
ـ لا تقترب كثيرا من النهريا ولدي، أبقى على مسافة بعيدة منه.
النسيمات العليلة تهب، تصطفق أوراق الأدغال، تنبعث من الندى المفروش على الأعشاب رائحة لزجة، عذبة ولذيذة ممزوجة بالبابونج والزعتروالنعنع البري.
ـ اسمعي يا أمي، اصيغي السمع. وقفت في مكاني اتأمل بصمت، بينما حفيف الأشجار يداعب وجنتي وشعري.
ـ عن ماذا تتكلم.
ـ انظري إلى الأعلى، اشرت بيدي اليمنى إلى الأعلى. اترين ما أرى. رفعت رأسها إلى المكان الذي اشارت إليه. رات رفوف البط والوز والزرازير. طيورمن أنواع مختلفة، مرتفعة جدا، كأنها لا تنام. تصدح وتغرد طوال الليل والنهار، موسيقاها تتسلل إلى الحواس والذاكرة وتوقظ الحنين للمفاجأة والإندهاش.
رحت استرخي، استرق السمع لأصوات الطيور الصادحة واترك القشعريرة اللذيذة تسري بهدوء في جسدي، انظر الى تموجات شعرها الطائر في الفضاء.
ـ انتبه.. هنا النهر عميق، كن يقظا حتى لا تتزحلق وتقع في الماء فيأخذك الخابور في تياره الجارف.
وعلى امتداد الأفق تسترخي أشجار الحوروالزل والتوت مستمتعة بالنسائم الرقيقة، تجدف أوراقها وتسري عن همومها. على أغصانها الخضراء آلاف العصافير والبلابل تغرد. هناك. ومددت إصبعي الغض وبصري إلى الأمام باستحياء رافعا حاجبيي إلى الأعلى. كانت السماء صافية، صوت رقرقة الماء يتناغم مع غناء الطيوروحفيف الشجر:
انظري إلى الدوامات الكبيرة للخابور، لخلاياه المتجددة. وبشغف ودونما شعور مني رحت اقترب من الكيش مادا قدمي في الماء, رامياً فتافيت الخبز للأسماك الصغيرة والبط المنزوي بين ختلات الدغل وأكمة الشجر. كمن مسه هوس راحت والدتي تصرخ كاللبوة:
قلت لك لا تقترب كثيراً من النهروإلا سيجرفك التياروتضيع بين وهاده الغامضة. وقفت خائفا، تراجعت إلى الوراء:
لكنكِ شاردة، منزوية وصامتة، غارقة في أفكارك.
النسيمات الرقيقة تهب بانشراح، تلامس النباتات السكرانة المزنرة بقطرات الندى، تهيج ذاكرتها وتحرك الخلايا الغافية فيها، توقظها من نومها، كي ترتعش، وتفرش روحها على ظهر الفلاة.
أوقدت اللفافة من ولاعتها، راحت تمجها بشراهة، تنفث دخانها في الفضاء، عيناها مركزة على انسياب النهربحرية وطلاقة. رفعت خصلة من شعرها القصيرعن عينها اليمنى وسوته بيدها اليسرى، عدلت من مكانها، أخذت الترمس وملئت فنجانا. راحت ترشف القهوة بنهم وتحدق مرة أخرى بالدفق والنبض والحلم، بالخابور, تمتمت بصوت خافت لوحدها بعض الكلمات المسموعة:
النهر شهوة الأرض والحياة، الزمن البدئي، الومضة الأولى للدفق الكوني. التفتت إلي مرة ثانية تبحث عن خطاي، عن عيني. رأتني إلى جانبها. راحت في شرود والهواجس تسبقها,.عندما كنت صغيراً يا سامي، جنينا في الوهاد والرحم، ملامسا لزغب الشمس وبويغاتها، كان هذا النهر يتمدد ويسرح تحت لون السماء الأزرق. قلت بصوت ناعم:
وما يزال.
هكذا بدت ترسم شفافية المكان، مسكونة بالتأمل والهواء العليل، تعود إلى قهوتها بين الفينية والأخرى، ترشف المزيد من فنجانها.
يغيب الخابور في الأغوارالعميقة، يبتعد، ثم يعود ثانية إلى موضعه، حاملا على خاصرته سلال الفرح وأدنان المواسم ولون القوس القزح.
تتوجس دائما, تمد عنقها إلى الأمام وبخوف مفاوتاً من الانضباط وقدميها الناعمين في تلال الماء, وعينها على وجهي. الخابور عند الصباح يكون سكرانا، في جوفه شبق، باقات السنابل ورائحة الربيع والبيادر. لا تعترض طريقه, تعال نسبح عند الكيش، عند الرمال والحصى. كان وجهها يلامس زغب أشعة الشمس القادمة من وراء الأفق:
تعرى يا ولدي حتى يراك الخابور ويتعرف على جسدك, تعال لكي يغسلك, يعمد روحك من الوجع. لتعقد معه صلة رحم ونسب.
تحت دفق الماء، كانت القوارب الخشبية الصغيرة المصنوعة من جدوع الأشجارتنتقل من ضفة إلى ضفة محملة بالخيار والبندوروالبطيخ. مشت خطوات قليلة، أخذت بضعة لقيمات صغيرة من الزوادة ووضعتها في فمها، رشفت القليل من القهوة ضاحكة. اغمر جسدك كله.. كله، أدخل في شهوة الحياة، لتتعطرمسامات جلدك وخلاياك.
كانت الشمس تزداد سطوعا وجمال. كفّنت نفسي في الرمال، بقيت عيناي وفمي وانفي تلامس الضوء، اسمع هسهسة الأعشاب ونقر الأسماك الصغيرة لاقدامي البضة.
الخابور عراف الخلود، قمصانه ولياليه منسوجة من زفرات الفرح. الماء الأخضركالمرج، يطلق قبراته وسنونواته وسمنه في الفضاء. أنا طائرأبيض، لدي هوس في تعلم السباحة عكس التيار.
احذر المغامرة، جسدك الصغيرلا يقوى على السيطرة على التيارات المائية الجارفة والسرعات الهائلة، عند المنعطفات والمنحدرات وحتى في لحظات استرخاء الماء. أسرار كثيرة تكتنفه، أشياء كثيرة تشدك إلى الأسفل.
كانت تتحدث والسيكارة في فمها، تصرخ من حين إلى حين، من الخوف والغضب:
لا تتحدى القدر بحسابات خاطئة أوغامضة.
راحت تدفع خطواتها ببطء بين بساتين العنب والتين ملتفتة، عينها لا تفارقني، متكئة على صوت الهواء وهو يجول بصفاء في رواق الطبيعة. نادت علي أن اعود إليها وامشي بالقرب منها:
اتذكر الشتاء القاسي! كان الخابورغيمة مفروشة على الأرض والسماء، كان فيضا داخل فيض، دافقا, يجري في كل مكان، السماء والماء والهواء. نظرت في عيني أمي، مسكت يدها ومضينا في دخول الأحراش. قلت بابتسامة عذبة:
مشى الفيض في الشوارع والحارات، غمر الشوارع والبيوت، غنى ورقص، عزف موسيقاه تحت دفق المطرالمنهمر، تحول إلى بحيرة بلا حدود.
كانت والدتي تلبس فستانا زاهيا طويل يصل إلى ركبتيها وتنتعل خفا يلامس نعومة التراب والحشائش، إلى جانبها اسير بحيوية ونشاط:
لكنه، يعري الأزمنة والعشاق ويفضح الأسراروالحكايات الممجوجة والمجوفة، يجدد ويتجدد.
كان أبي باقياً في مكانه، مشوش الذهن، لا يتكلم. اقترب منه:
لقد قبلت أن تأتي معنا يا أبي، نمشي إلى تلك الجهة. واشرت إلى مكان قليل الأشجارومفتوح على الأرض والسماء.
القارب يتمايل مع اهتزاز الماء:
لنبحرفي أرض الخابور الواسعة.
قلت، بينما كانت أمي تجدف، تدفع القارب إلى وسط الماء:
البارحة، كنت مغموساً حتى الثمالة بقصيدة الأخطل الصغير:
"نحن الشباب لنا الغد ومجده المخلد".
صوت رقرقة الماء يمتزج بصوتي, فيتبدد بين الرذاذات المنبعثة من التجديف. النهريميد تحت الضربات الرتيبة للمجاديف، تتشكل علاقة اهليلجية بين مكونات المكان، كعاصفة مختمرة. عدلت والدتي من مكانها, انتقلت من موضع إلى موضع على الدفة الراسية في قعر القارب. سحبت فستانها لتغطي ركبتيها، بأن إبطيها الحليقين وجزء من شق صدرها الكبير. تجدف وتتابع افتتانها بالربيع والشمس، تلتفت، تراقبني وتراقب والدي وأطراف الخابور:
كنت تقول شيئاً. حدقت في عينيه النصف مغلقة من وهج الشمس:
البارحة، بجلبابه الأسود، وقامته الرشيقة، كان يتمايل، بجسده ويديه وأصابعه، ينشد القصيدة ونحن نردد ورائه ونضحك. القسيس، بذقنه المشذبة ووجه المليح. يغني، يفخم الكلمات ويرقص، ممتلئا بالحماسة والفرح. بعد انتهاء الحصة، رحنا نلعب معه كرة القدم في باحة المدرسة. اتدرين, لقد خلع ثوبه الأسود وكبريائه عندما لعب معنا.
ـ أراك سعيدا عندما تتكلم عنه.
كان القارب في وسط الخابور، ملامسا لسطحه. في مجال البصر، بواليع ودوائرملفوفة تحوم حولهم والقارب يتمايل، رقرقة الماء كموسيقة حزينة. مررونا بالقرب من أغصان الزل والصفصاف, لامسنا الأوراق الخضراء القريبة منا. مددت يدي ولامست الزبد القابع على السطح، مائلا برأسي بزاوية قائمة مستندا على كتفي الأيسر.
ـ بعد اللعب، دخلنا الكنيسة وصلينا، "أبانا الذي في السماء" بالأرمني. أتدرين أن رائحة البخور والشموع والإيقونات تخيفني. أحس بالنفورمنها لهذا أهرب منها.
ـ لماذا؟
ـ أحس برائحة الموتى ممزجة بهذه الروائح، أكاد اختنق من هذا المكان المعبئة بالطقوس والرتابة.
الخابورينحدر من الشمال إلى الجنوب.
وصل القارب الصغير إلى وسط النهر، تلال من الماء وراء تلال، مكومة على بعضها البعض، تلعب وتسبح تحت غطاء السماء المفتوحة والشمس الساطعة. ينبهق من جوف الماء رائحة الأسماك الطرية الجميلة والإشنيات الخضراء والطحالب الرأسية على الأطراف.
للخابور رائحة مشهية، مميزة، تدفع كل من يشمها للعودة إليه ثانية.
تركتْ المجاديف واستراحت. راح القارب يسير مع المجرى بسرعة النهر. مدت يدها إلى جيبها وسحبت علبة الدخان وأخذت منها سيكارتان واحدة لها والأخرى لأبي، أشعلتهما ومدت إحدهما له.
ـ ألا تمل من السباحة.
ـ لا.. لا. أنا ممتلئ بالحنين للماء، لا أستطيع الانفكاك منه مهما حاولت، استمد منه الأشياء الجميلة والحلوة، الذاكرة والألق، منعطفات الروح وسراديبها، اغوص في عمقه وارحل مع لونه، زواتي المفروشة في الحياة.
كانت تضحك:
الاعتدال ضروري في كل شيء.
الوقت يدنو من الضحى، قرص الشمس تزداد توهجاً، القارب يعوم برفق، يمر بجانب نبع قطينة الثاني، رائحة الكبريت تنبعث منه. رائحة نفاثة، خلاياه خضراء داكنة، غزيروسريع الجريان، يهطل كالمطرفي قلب النهر. صارالخابورشلال متدفق عبر مستويات مختلفة، راح القارب يعلو ويهبط مع تموجات الماء العارمة، بينما أنا ووالدي نمسك الحواف الخشبية للقارب حتى لا نقع. بينما امي تحاول السيطرة عليه عبرالمزيد من التجديف للدخول في حضن الخابورالآمن.
بعد استرخاء النهروحفاضه على غزارته الكبيرة المعتادة، وذوبان المخاوف وعودة الطمائنينة، تمطيت عابساً، قسماتي اصبحت قاسية:
ـ أنا لا احب الاعتدال. أنا كالخابور، فورة الدم والتوجس جزء من خلايا دمي، احب القلق والاضطراب لانه يحرضني ويستفزني، يمسحني ثم يعيدني بعد أن يكون قد غسل الكثير من الادران في داخلي. وضعت والدتي المجاديف جانباً، تنفست بعمق، نظرت إلى أبي:
عيناه نصف مغمضة، رأسه مائل، نظراته مركزة على نقطة محددة برتياب، لا تتحركان. يمج السيكارة بنهم، صامت، لا يلتفت أبداً. أشارت:
ـ ما هذا؟.
ـ لا شيء، كنت عاريا تماما، بعد أن سبحت في عين فانوس وسيروب ورياض عند الكيش، الأماكن الضحلة للنبع، جريت راكضاً مع ديكران وهراج وسامي ومحمد حاج كنعو إلى نبع الزرقاء. مررنا بالقرب من نبع حمزة والينابيع الثلاثة الملتصقة ببعضها تحت ظلال أشجار الصنوبر والحور، تسلقنا أشجار المشمش والتين وأكلنا حتى امتلئت بطوننا. سرنا حفاة على الأرض الرخوة. الطبيعة مغرية يا أمي لا أستطيع مقاومتها، لهذا أبقى هناك من الصباح إلى المساء. قاطعته:
ليس هذا سؤالي، قل لي ما هذا الوشم الذي على وجهك.
ابتسم والدي نصف ابتسامة، هزرأسه باستخفاف، رماد سيكارته كان قد استطال، علامات الرعب باديه على وجهه:
أرسلوك عارياً، أعرف، رسائلهم لا تنتهي. لم ينتبه لكلام والده:
ـ لا شيء، جاؤوا مجموعة كبيرة لمحاصرتنا، أرادوا سرقتنا، هرب رفاقي وبقيت وحدي، لقد مسحوني بالأرض ومرغوا جسدي بالتراب، ضربوني على رأسي ووجهي، سرقوا ثيابي.
كانت الأشجارقد ازدادت كثافة على الضفاف، تدلت أغصانها ولامست الماء برفق. النهريزداد غزارة، لكثرة روافده، امتزجت الحرارة والرطوبة ببعضهما. شلحت قميصي.
ـ عدت إلى البيت عاريا تماما. قطعت المسافات الفارغة ما بين الينابيع والبيت، الختلات، بعيداً عن المطحنة القديمة، بين الأشجار، مررت قرب الثكنة العسكرية التي بناها الفرنسيون. كل من رأني ضحك علي، كنت أركض في الشوارع إلى أن وصلت البيت.
هز ابي رأسه، مثبتاً يديه على أطراف القارب، ينظربلا مبالاة:
كنتَ عارياً، على من تضحك؟
ابتسمت والدته بحزن نصف ابتسامة، ملئت القهوة في الفنجان ورشفت قليلا، أشارت لولدها بعينها اليمنى أن لايعرلأقوال والده أي اهتمام. وتابعت التجديف:
ـ انتبه! انتبه. انتبه من غدرالأيام والحياة وكف عن الذهاب إلى هذه الأماكن الخطرة. ضربت الماء بكفي المفتوحة وصرخت:
كنت سعيداً لأنني لم أهرب يا أمي، دافعت عن نفسي وثيابي إلى أن سقطت أرضا، وسأذهب دوماً.
تابع القارب سيره ضمن المجرى نحوالجنوب.
كانت اسراب الطيورتصدح في السماء سمتها متجهاً نحو الغرب. نصبت نخلة, والدة سامي أربعة أوتاد في زوايا القارب ووضعت عليه الشادر:
علينا اتقاء حرارة الشمس، رحلتنا ستطول، طعامنا كاف، كما سنصطاد السمك ونشرب من ماء الخابور.
طغى الصمت. الماء، الطاقة الهائلة المتفاعلة المتجددة يندفع إلى الأمام هادراً.
كان صافي منبهراً، بصره يتمّلى المشهد الراعش للوحة الطبيعة وسحرها. دروس التأريخ.
أشجارالكينا والحور، السنديان، عليها كتابات الذين مروا من هنا. مع كل خطوة، تلال تنطق، تشهق وتتكلم. رفع رأسه نحوها.
دعيني أجدف قليلاً، أعطيني مكانك.
حدق في وجه والده ووالدته، دفع المجايف الصغيرة على الجانبين.
سأكمل الرحلة. أخذ يجدف، سوا من سيرالقارب المنتحي إلى الأماكن الضحلة، بعد أن اطمئن إلى خط سيره باتجاه الجنوب، رفع رأسه إلى الأعلى. كانت البيوت الترابية تنام بحزن على الضفاف. كان مدرس التأريخ واقفاً.
هذه التلال، هذه الأوابد المندثرة تحت التراب، ذاكرة مرمية تحت قدم الخابور.
الحرارة بدأت ترتفع كثيراً، القارب، يشق طريقه بسهولة، ترك يداه الصغيرتان تتدليان فوق سطح الماء، الأسماك الصغيرة تقترب منه، تنقررؤوس أصابع يديه بحنان، حركهما فتناثر الماء وارتد عليه. عدل من مكانه وهو يراقب رفوف القطا والدرج فوق رؤوسهم، التفت إلى والده ووالدته، إلى أغصان الأشجارالراقصة تحت حفيف النسيم. وضعت والدته قطعة من القماش على وجهها، مسحت قطرات العرق.
اترى النوارس كيف تغط في الماء وتخطف الأسماك.
حدق صافي في السماء فرأى والده. ما زالت عيناه غائبتان في ظلال المدى، غائرتان، مشوشتان، زائغتان. وجهه طويل، مبقع بالدم، ضعيف الجسد فيه شيء من الغرابة، يطغى عليه حزن عميق, حزن دفين، يحمل في بؤبؤة عينيه آلاف الأسئلة المختلفة، تنبعث من جسده وفمه رائحة كريهة، أظفاره مملؤءة بالاوساخ المتنوعة.
صوت الشحروريصدح، ملفوفاً بأوراق الأغصان الجاثمة تحت قعرالخابور بقوة. المياه ترتفع بعد عبور عين عروس. التفت إلى أمه بشبق وشهوة.
وجهها الأبيض المدوريزهو بالضوء، متربعة على الدكة الخشبية، ذراعها الأيمن يمسك بالقارب وتخفي بالأخرى منديلها، ملفوفة الساقين، غطتهما بفستانها الفضفاض الزاهي الجميل.
عبروا إلى الضفة اليسرى، كان ورق الشجرغزيراً يغطي أشعة الشمس:
علينا أخذ استراحة قصيرة، نشرب القليل من العصير.
على الأمتداد البعيد، يستريح جبل عبد العزيزبلونه السماوي الداكن، ببطمه وسنديانه، بغزلانه وأرانبه، ضباعه وذئابه.
ارتموا في أحضان الطبيعة، بين هجوع الخابورفي جلاله وغناءه، ودخولهم على ضفافه. باعدوا الأغصان عن فروعها الحنونة، استلقوا على الحشيش الممزوج بالتراب الناعم. فرشت نخلة الغطاء القطني المربع على الأرض ووضعت عليه الاقداح وعلبة عصير الليمون والبرتقال. من بعيد تناهى إلى سمعهم صوت مواويل الفلاحين وغناءهم الحزين ممزوجة برائحة الأرض والتراب:
أمي، ما به أبي، دائماً أراه سارحاً، عيناه مثقلة بالخوف والهلع، متأهباً، كأن احداً يلاحقه أو يرصد أنفاسه، ووراء هذه النظرات شيئاً غامضاً لا أعرف مصدره.
هبت نسمة صيفية حارة حملت معها رائحة سبخات دبقة، خاشعة بين ربا الطين والملوحة، ينساب منها ماء معنطن، يصب في ذرا الخابور.
حلقت بومة كبيرة فوقهم، حطت على شجرة قريبة منهم، صوت نعيبها يصم الأذان. جلس صافي مقابل أمه، يحفر الأرض بوتد صغير اقتلعه من غصن مكسور. بينما كان والده بعيداً، بين دغل الشجريراقب الطائرالليلي الجارح:
يا ولدي، أبوك يعيش عزلة قاتلة. نومه متقطع، يبقى ما بين الصحو والنائم، ما بين اليقظة والغفوة، يدخن بشراهة دون أن يسأل عن مصدر دخلنا، متحفز. دائماً يفضل البقاء مستيقظاً الليل كله. حتى في لحظات استلقاءه على الفراش تبقى عيناه مفتوحة، يضع الصمامات على أذنيه، لا يريد سماع شيء. الحقيقة علاقته بالأصوات والإشارات والحركات غريبة ومريبة.
الحرارة لافحة، تزداد سخونة كلما زحف القرص المدورعلى بطنه في كبد السماء.
مدوا خطواتهم الوئيدة إلى الأمام، فوق أثاراقدام قديمة، يتحسسون بقايا الذاكرة من خلال الضوء المتسربل من شقوق أوراق الأشجارالملتفة على بعضها. رفع رأسه إلى السماء، رأى الشمس قرنفلة ملفوفة بزنار برتقالي شفاف، يرسم على سطح الماء استدارة من قرابين ونذور. التفت إلى أمه، مسترجعاً اللحظات القاسية:
ربما هو مريض.
حدق ملياً في وجهها، استدارقليلاً، رأه ينظرإلى البومة، عيناه محنطتان، جسده مقوس، نظرات القسيس الحامضية الغيرموزونة، شعره الاشيب المتناثر على الجانبين دون سبل، وشفته السفلية السمكية النافرة:
ـ لماذا لم تأت إلى الكنيسة يوم الأحد، ماذا كنت تفعل، هل نسيت من أنت؟. التفت إلى وجه أمه الحنون نصف التفاتة:
صفعته القوية تحت سقف ذاكرتي، تلعب في جوفها طوال الوقت، رائحة الشواء في أنفي. هذا القسيس، والدي، لديه معاييرغريبة في التعامل مع الأخرين. له وجهان وثلاثة أفواه، وخمسة أذان كبيرة. يضحك ويعبس ويزمجر، مزاجه متقلب بين حدين كبيرين، الفرح والحزن، حسب الظروف. إذا كانت الكنيسة مملوءة بالمصلين يوم الأحد فهذا فال خير وينعكس علينا طوال الأسبوع أما إذا كان العكس فالويل والثبور. ترتخي مفاصله عندما يرى أبنته، يتأملها كالعشيق بأبتسامة عذبة ولطيفة. البنت البشعة، ذات الجدائل الطويلة والقامة الناقصة، حركاتها المغندرة ووجهها العريض النافر. عندما نمر بجانبها تقسى ملامحه ويتأهب لضربنا، يخاف عليها من النسيم. إنه رجل غريب الأطوار، الرحمة التي يدعيها متنافرة بين لحظة وأخرى، حسب الطقوس والحالات النفسية التي يمربها.
جال النظرفي محيا والده. كان الشمع يسيل من وجهه وعينيه البؤبؤتين، واقفاً كالجماد أوالتمثال المسكون بالصمت. ينظرإليهم خلسة بين الفينة والأخرى من زوايا عينيه، جسده الضعيف يهتز عند ارتفاع الحرارة أوالبرودة. يعاود مراقبة البومة بمنقارها القاسي وعيناها النافرتين، محركاً كتفيه.
اقترب من والدته الواقفة قرب شجرة حوررشيقة، مسندة ظهرها للجدع، قدم على الحشيش والأخرى مرابطة على الجدع، ثانية ركبتها بزاوية قائمة، وجهها الجميل والمشرق يرابط الفضاء.
بدت مدثرة بلحاف الشمس الحارة، تنعكس صورتها على سطح الخابور، ملساء، يتماوج كقوس قزحها داخل قرنية الجوف، يتسلل طيفها عبرالشريط الضوئي الشفيف إلى العمق هامساً بألحان قديمة، ساحرة، باعد النظرما بين والدته، لحظة اقترابهم من الشلال، ثبت صافي في عيني والدته:
ـ ماتت أمي من زمن بعيد، اسكن ملامحها، ها أنا أحاول استعادة خيالها من جديد.
هبت من جوارالأفق رائحة نباتات طرية، مغموسة بالحرارة العالية وعجين الماء، تنفث رائحة قوية نفاذة.
الرياح ساكنة. صوت الماء يكسر صمت الضفاف، يصدرأنيناً غامضاً. مروا فوق كومة من الأوراق الميتة:
ـ لماذا جلبتيه معنا يا أمي، إنه عبء. لا يستطيع التجديف، يخاف الجلوس في مقدمة القارب، وجهه مبثورمملؤء بالنقط السوداء يتركنا ويهرب ليختلي بنفسه.
صرخت عليه أن يقترب، مسكت نخلة المجاديف ومشت باتجاه القارب، جلست في المقدمة وعلى قسماتها حزن قادم من بعيد.
ـ انه ابوك شئت أم ابيت، بذرته فيك، لن تستطيع الانفكاك منه مهما حاولت ومهما قلت، كفى كلاماً فارغاً.
دفعوا القارب إلى الأمام.
لم يستطع أن يحول عينيه عن مجيد. يسمع لهاثه في الليل، وهو يضاجع نخلة. في البدء، كان يظنه يبكي أو يتأوه من الألم والوجع. صوت لهاثه أشبه بعواء ذئب مشرف على الموت، أشبه بالحشرجة، أنفاسه مخنوقة.
خوفها من تخوينه لها، شكوكه الدائم بسلوكها. جعلها مستسلمة بالكامل للحمه الكريه المنفر، لرائحة البخرالتي تخرج من لثته الملتهبة وأسنانه المسوسة المنخورة وثيابه الرثة القذرة. اسمعها تتكلم بصوت خافت حزين أقرب إلى الاستسلام. استغاثاتها مؤلمة أقرب إلى التضرع والبكاء: ألم تنتهي يا أبا صافي! يا أبونا, أيها القسيس, لقد تعبت، خلصني. كان أنينه فوق صدرها كفحيح الأفعى:
افتحي فخذيك أكثر, افتحيها أكثر, حتى استحكم وأدخل قضيبي بين ضلوعك, كي اتمكن من أفراغ سائلي في جوفك. التفت إلى وجه أمه، كان يراها تقول:
إنك ثقيل وبطيء، عاجز. اتلفك الزمن يا عزيزي.
القسيس في كنيسته, أبوه الواقف أمامه لم يفارقهم، كان مرابطاً فوقهم كالقدرالجاثي. لا يتزعزع، بقبته الصفراء وجلبابه الأسود. بيده مبخرة وشموع, يحركهم ببطء مع حركة عريهم. يثبت عينيه فيهم بشبق، كأنه في المعبد، خاشع ويديه على ركبتيه يأخذ وضعية الصلاة، اليد الثانية، مثبته على ذكره حتى لا ينبهق ويخرج من مكانه. مسك مجيد يد نخلة وهزها:
ـ منذ متى ضاجعتي القسيس أمين ممدوح آخرمرة.
ـ أنت زوجي وابوابني, ولا يمكن لهذا الفرج أن يخونخليله. مدت سبابتها إلى فرجها, إلى قلب النار, وأشارت بحركة سريعة إلى التقاء الفخذين ببعضهم, إلى منبع الأسرار, اللذة والفرح والألم:
إنه لك. إنه مخزنك, إهرائاتك, كهفك السري, محرابك الذي تنزوي إليه عندما تريد البكاء.
وجه نخلة ناعم كالحرير، كانسياب الخابور. تضحك طوال الوقت ويزهو ووجهها بالظلال المرحة.
طوت ساقيها، وسوت من مكانها, بانت استدارتهما وانكشف بطنها، منحسراً صلباً متماسكاً ليس فيه شحوم أو دهون، تخفي تحتهما جسد قوي وصلب كالطوب المشوي, وسرة كاللؤلؤة الثمينة.
أحست برعشة باردة تسري في جسدها وفخديها. تأوهت قليلاً, صدرمن صدرها فحيح نابض بالحياة:
لقد مرمن هذا الشق الثمين, من نفق الوجود, سرالحياة والموت, الخلود والفناء. إنه شبق الحياة, وطيفه وتوازنه . هذا النبع المتجدد, لا يكف عن قذف ديمومة الخلائط. صانع الجيوش والحروب, القواد, والقوادين والنياشين, الضحايا والقتلة. كلهم يزحفون على بطونهم من أجل أن ينصهروا في ناره, أن يدخلوا فيه, أن يعودوا إليه كي يكونوا. ثم التفت, وثبتت عينيها على وجه مجيد المجدر:
كلكم أطفال.
أصداء الهمس, يأخذه الريح إلى أصابع الفناء.
وقف صافي ينظرإلى وجه أبيه المقسم إلى شقين, القسيس ومجيد, كلاهما قريب وبعيد, مثل قطعان ضالة, بينهما توجس وخوف وقلق, يتوحدان في شرايين بعضهم ويتفرقان كرافدي النهر.
سمع مرات كثيرة, في هدأة الليل العميق, صوت القسيس بجانب أبيه, يضاجع أمه, صوت شبقها الموجع يصدح في ذلك السكون الصافي, بينما أبيه ما بين غاف ومستيقظ, يقظ في شرارة اللهب, تتأجج وتتطايرمن عينيه وقلبه أن يكون تحت رعشة القسيس.
أسئلة كثيرة مستنفرة تطرق باب عقل صافي:
أمي نخلة, زيتونة, نبع ماء صاف, لونها من لون الأرض والسماء, رائحة أبطيها منعشين, كرائحة الضباب والسنابل وقت بدء المواسم, وقت تمدد الربيع فوق البوادي:
لماذا تحب أبي, مجيد, القسيس, أليس كل الرجال متشابون.
قضينا بعض الوقت على الضفة, نصف أقدامنا في الماء, نصف طليقة, واقفين, نصطاد ونتكلم. الحقيقة لقد نسينا الزمن, رحنا في غيبوبة, وتداركنا الوقت في هذا المكان الاعزل .
الخابور, النهر الممتد طولا وعرضا في باطن الأرض وقلب العالم. نزل من عنق الشمس وعين السماء وروح القمر, يجري في هذه المراسي دون وجل أوخوف, ينبض ويضيء بالحياة .
الشمس الربيعية اليانعة بدأ عليها النعاس والتعب. راحت تتثاءب بين الحين والآخر, تنعس, تتكورعلى نفسها, حول عينيها دوائر حمراء فاتحة وغامقة , تاركة الغروب يرسل ظلاله وألوانه, خوفه وأسراره على الكون.
نهار آخر أخذ في الانقضاء, يلم عدته استعدادا للرحيل.
كانت والدة صافي قلقةً. أخذها الوقت, الغفلة, على حين غرة. أرادت تدارك الخطأ بأسرع وقت ممكن:
ـ انتبه! لا تقترب من المجرى المتعرج, الضيق للنهر. فهو في هذا المكان خطرجدا لأنه سريع الحركة. يتجمع على بعضه. تتكاثف طاقته وقوته في المنحنيات. لذا أقول لك:
ضع أقدامك على حدود القارب في الأماكن المرحرحة, الرحبة, المسترخية. النهرهنا يتنفس الصعداء ويطلق زفيره في الهواء وباطن الأرض. لان لديه الوقت والأعصاب الهادئة ليسمع أنينك وأوجاعك بالإضافة الى ضحكك وفرحك . ومضىت تقول:
احترس من وداعته ونبله, من صفصافه وزله, أشنياته وأعشابه. ربما ينقلب في ساعات الغضب إلى وحش كاسر أو تمساح مفترس.
كان والدي يتأتئ من الخوف. إنه جبان من منشأه الأول, من التكوين الأول لوجوده في هذه الدنيا. لهذا تراه دائم الالتفات والتيقظ والقلق. قال متعلثما:
علينا أن نسرع الخطأ, أن نواصل سيرنا. راح يدفع القارب إلى مجرى الماء, يلتفت مدققا بساعته اليدوية. مضطربا, وفجأة ومضت في رأسه فكرة مفاجئ . هتف بصوت عالي:
لنتحرك قبل حلول الظلام . ليل الخابورمخيف.
سألته بعفوية وبراءة:
ـ هل أنت خائف, يا زوجي!
لم يجب, بقي صامتاً يلف نفسه بالغموض. بينما يداه تدفع القارب للسيرإلى وسط الخابور. لكن صافي أجاب بالنيابة عنه:
ـ منذ القديم, منذ أزمان موغلة في القدم, قبل أن ينتصب البشرعلى أقدامهم, ويبنوا البيوت والمتاحف. عندما كانوا يعيشون في الكهوف والجحور, يأكلون الأطعمة النية, قبل أن تتحول الرغبات الى أهداف وغايات, الأحلام والأماني الى مستحيلات. الخابور يسعى جاهدا ليبقى على قدميه. أنظر, أرفع رأسك قليلا, سترى أم الينابيع, منبت النهر, كيف يربط الشرق بالغرب والشمال بالجنوب . كل تبادلات البشرتتم عن طريقه, عشقهم, زواجهم, شرابهم, سكرهم, تجاراتهم وتنقلاتهم, حبهم وكرههم . يتفرع من الشمال الى البحرعن طريق أبواب الجبال ثم الى الشرق عبرأنهاركبيرة لا حصر لها. هنا في هذه العجالة, كلها تذهب الى الجنوب حيث ملتقى الأنهار الكبرى. وقف صافي يتلفت حوله ثم أشاربأصبعه الصغيرة الممدودة الى الأفق:
أنظري إلى السهب, هناك على مبعدة بسيطة تتكثف الاختزانات الدموية في أعشاش الجّور المحفور في الصخور وبواطن الأرض. ذراري العائلات المقدسة والمجوفة, الممثلة الأمينة لغربتنا عن زماننا.
مررت رؤوس أصابعها بين ثنايا شعرها القصير. نظرت حولها وراحت تقول:
ـ آه, ما تقوله صحيحاً. أخذت تنهيدة عميقة
ـ مرمن هذه الدروب, زمرالقتل والسلب والنهب تحت تسميات مختلفة, يحملون رايات الأخلاق الكاذبة, الدين, التمدن, التحضر, شرع الله. توقفت والدة صافي قليلا, ند من صدرها أهة وحشية, بينما ولدها يمعن النظرفي عينيها. كانت تعابيروجهها تخونها وتصبح أكثر حزنا ومرارة. تدخل مجيد بطريقة غامضة:
ـ دعونا من هذا الهراء. على مقربة من هذا المكان, قرية صغيرة اسمها السوسة, يقطن فيها صديق لي. يمكننا أن ننام ليلتنا عنده ثم نتابع سيرنا على ظهر الخابورفي الصباح الباكر.
فرح صافي وأمه من هذه المفأجاة التي لم تخطرعلى بالهم. راحوا يسرعون الخطا كي يصلوا قبل غروب الشمس وحلول الليل.
هبت نسائم ربيعية منعشة, حاملة معها رائحة العصرونية والرطوبة, رائحة البيادروحقول القمح والشعير.
على طول المجرى تنبعث من حول وعلى جانبي الخابور, أصوات المضخات الآلية الكبيرة, تستجرالمياه عبرقساطل دائرية كبيرة. أمواج هائلة من الماء, تسحب من النهرالحزين, تأخذ منه عنوة وترميه بين حقول القطن المتوحشة. بينما الخابور واقف ينظرإلى جسده المسكين يقتل أمام عينيه.
أمواج وراء أمواج وتلال وراء تلال تنحرأمام الجميع, ولا يد تمتد إليه كي تنقذه.
لمح صافي عند الأفق, على المدى البعيد, زوارق خشبية صغيرة تجول تحت الانسياب الحرللماء. ينقلون الخضروات والناس من ضفة إلى أخرى. حول حافة القارب, الاسماك المتعبة تتقلب من صفحة على أخرى.
ـ لماذا والدي غيور, منطوياً على نفسه, يخاف الناس والعلاقات الاجتماعية الخاصة منها أوالعامة. دائماً يرتاب منهم, يتوجس من أقترابهم من أمي, يتمنى في سريرة نفسه أن يضعها في قفص مغلق, مغلف من كل الأطراف, يزنرها على مقاسه, يحملها على كتفيه ويسيربها من مكان إلى أخر, يستخدمها وقت الحاجة.
قبل أيام بقي صامتاً, أثناء جلوس القسيس في بيتنا. أصبحت أنفاسه صعبة, متهدجة, تخرج الكلمات من فمه بصعوبة بالغة, مثل الحشرجة. يشعرُ مضيفه بالضيق والتبرم حتى يغادرنا. طوال الليل يتشاجرمع أمي, يطلب حقه منها. يقول لها في أنصاف الليالي:
ـ أنه حق الله عليك, أن تمنحيني نفسك, أن أنام وجسدي مرتوي, ظمآي مطفأ إلى الآخر.
طوال الرحلة لم ينظرأحدهم إلى الأخر. كل واحد متبرم من الأخر. إذا نظروالدي إلى الشمال, تلتفت أمي إلى الشرق وبالعكس. يتشاغلون بوضع أيديهم في الماء, على أطراف القارب, يلوحون للفلاحين المتناثرين على الضفاف.
ـ منذ متى تعرف صديقك يا والدي.
ـ وماذا يعنيك هذا الأمر. أنه صديقي وكفى. لماذا تتدخل في أمرلا يعنيك. ألتفتْ إلى المجداف وأبق القارب يسيرفي السياق الصحيح.
القوارب تقترب أكثر, السراب يغلفها بوهجه اللامع, ولمعان الماء يزداد هياجا. أنظري:
الرجال مكومون على الضفاف يتسامرون, بينما الشمس تغير انعكاستها, يتكلمون عن الماء والحقول, الجنى والمجهول من الأيام, انهم يلوحون لنا, الابتسامات المرحة لا تفارق وجوههم النضرة
طفولة صافي, مشكلة من عصارة النبات والأرض والشمس المرتفعة بنسغ الضوء والهواء النقي. مضى في شرود:
يقولون ما زلت صغيراً, لماذا؟ كل خلية مني تنبض بالحياة. أعرف ما يدور حولي من أشياء وأحداث, فأنا لست ابن مجيد ونخلة, أنا أبن كل الرجال والنساء, أنا أبن زنى, وأنا فخور بأبي الذي مات . لست ملك هذا أو ذاك. مات أبي في اللحظة التي ولدت فيها, في اللحظة التي جئت بها إلى هذا العالم الغامض. لماذا يقولوا لي أن ذاك الرجل أباك, ماذا يعني هذا. لماذا يربطوا اسمي باسم أبي أو أمي. أنا حر, وسعيد بأنني لا أملك أباً أو أماً.
تابع القارب سيره على الماء ببطء. هبت نسمة دافئة لفحت وجوههم. كانوا في استغراب, يتأملون لون الماء الأخضر, الأشجار, التراب الندي الذي يحيط بهم من الطرفين.
ـ هل المكان بعيد من هنا يا مجيد؟
ـ لم يرد القسيس كيفورك, أمين. شعره المتسخ, المتماوج, يصدررائحة غريبة عندما يمتزج مع رائحة سكون الهواء.
لماذا يريد هذا التمساح, أن يغلف نفسه بالاسراروالالغاز. انه إنسان تافه, عاري, لا يعرف شيئاً إلا التعالي والعجرفة. كلما تحدثنا معه يبقى صامتاً أو يرد علينا باختصار كأنه ديك كبيرعلى مزبلة كبيرة. هل يظن نفسه أنه مميزبهذا التصرف الاخرق, الفارغ.
ـ أمي هل لك أن تلفي لي سندويشة, هذا المكان يدفع المرء للجوع والنهم في الأكل والشرب.
ـ أنه الهواء الطلق, والنظيف. هواء البراري والأنهار. يحرك الخلايا وينظفها من الاوساخ العالقة بها. دعني أعمل لك واحدة. استمتع بوقتك ومتع نظرك بجمال الطيوروالأشجاروالخابور.
كل الرجال كانوا يحبون أمي يريدون التقرب منها, أما أنا فكنت أغارمنهم جميعاً.
عندما ضاجع القسيس أمي. كان أبي إلى جوارها يبكي بحرقة وألم. استيقظت على ذلك الصوت المجروح والفحيح الموجوع مترافق مع لهاث القسيس من النشوة وصمت أمي. قلت للثلاثة.
ـ لماذا يبكي أبي, يا أماه!
ـ لا اعرف؟
ـ أنا اعرف.
ـ ماذا تعرف؟
ـ لأنه لم يشبع من الصلاة!
ضحكت حتى بانت نواجدها. قالت ما زلت صغيراً. ثم نمت بعمق.
دائماً أرى أبي جالساً تحت شجرة الكينا الوارفة يشرب القهوة يحك جلد ملتقى الحاجبين. سألته ماذا تفعل. أعرف أن اخوتك جياع, لكني أفكر في ملتقى فخذي أمك. لكننا بلا خبز يا والدي. يضحك بثقة. الله يدبر الارزاق يا ولدي ثم يديروجهه ويغرق في التفكير ثانية.
كان يبعث أختي التي تكبرني بشهر, إلى المرحاض المجاور للتنور, أن تراقب أمي. هل هي هناك؟ ماذا تفعل لوحدها؟
الخابور ينساب برفق في هذا الموضع من العالم من ملايين السنين, منذ انبثاق الشمس وانفلاق الكون إلى مجرات وحكايات . حاملا الدفء والأرض وشروق الشمس بين كفيه. يمشي كجدائل امرأة حسناء في تموجاته, يقسم نفسه إلى فروع كثيرة ومتعددة. ينحدرمن البعيد, يحط رحاله في موضع وجوده ويهبط كنسر من أعالي الفضاء, يمشي ويمشي, يرسم لون الزمن وينثرها تحت ذرات التراب الاسمرالنقي.
يتبع
××××××××××
نقل المواد من الموقع دون الإشارة إلى المصدر يعتبر سرقة. نرجو ممن ينقلون عنا ذكر المصدر ــ ألف |